Published On 13/7/2026
تصف أعداد كبيرة من الآباء والأمهات اللحظة التي يسمعون فيها تشخيص طفلهم بالتوحد أو اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه بأنها من أكثر اللحظات صعوبة في حياتهم. فالبعض يشعر وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميه، والبعض الآخر لا يستوعب ما يقوله الطبيب بعد سماع التشخيص، بينما يغادر آخرون العيادة مقتنعين بأن هناك خطأ ما في التقييم، أو يعودون إلى منازلهم ويتصرفون وكأن شيئاً لم يحدث. ورغم اختلاف ردود الأفعال، فإن الخبراء يؤكدون أن هذه الاستجابات طبيعية للغاية، بل إنها موثقة علميا كجزء من عملية التكيف النفسي مع الخبر.
الإنكار ليس ضعفا
تشير الدراسات إلى أن الإنكار الذي يظهر لدى كثير من الأسر بعد التشخيص لا يعكس ضعفا أو تقصيرا، بل يمثل آلية دفاع نفسي طبيعية تساعد الإنسان على استيعاب الخبر الصعب بصورة تدريجية بدلا من مواجهته دفعة واحدة. فالعقل والقلب قد لا يكونان قادرين على تحمل التأثير العاطفي الكامل للتشخيص في اللحظة نفسها، لذلك يلجأ الفرد بصورة تلقائية إلى الإنكار كوسيلة مؤقتة للحماية النفسية.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of list
ووفقا لما أورده موقع “نيورولانش” Neurolaunch عام 2024 استنادا إلى نموذج كوبلر-روس لمراحل الحزن، فإن الإنكار قد يتخذ صورا متعددة لا يدركها الأهل أحيانا، مثل السعي للحصول على آراء طبية متكررة أملا في سماع تشخيص مختلف، أو تفسير سلوكيات الطفل بأسباب أخرى مثل القول إنه “شقي وحركي فقط” أو “متأخر قليلا في الكلام”، أو الإرجاع إلى سمات عائلية سابقة، بالإضافة إلى تأجيل بدء العلاج أو التقييمات المتخصصة، أو تجنب الحديث عن التشخيص مع أفراد العائلة والمحيط الاجتماعي.

الحزن المزمن
ولا يقتصر الأمر على مرحلة الصدمة الأولى، إذ تشير الأبحاث إلى أن كثيرا من الآباء يعيشون شكلا خاصا من الحزن يُعرف باسم “الحزن المزمن”. وقد أوضحت دراسة نشرتها Sage Journals عام 2025 للباحثين راب، وفايله، وديدينغ أن ما يمر به آباء الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة لا يشبه الحزن التقليدي الذي يتراجع مع مرور الوقت، بل هو حزن متجدد ومستمر يرتبط بالفجوة بين الحياة التي تخيلوها لأطفالهم قبل التشخيص والواقع الذي يعيشونه بعده.
ويؤكد الباحثون أن هذا الحزن لا يعكس نقصا في حب الوالدين لطفلهما، بل على العكس، يرتبط بعمق الحب والأحلام والتوقعات التي كانت تراودهم بشأن مستقبل أبنائهم. كما أن هذا الشعور قد يعود للظهور في محطات مختلفة من حياة الطفل، مثل أول يوم دراسي، أو أعياد الميلاد، أو عند مشاهدة أقران الطفل يحققون مراحل نمائية أو اجتماعية معينة، ما يعيد بعض الأسر إلى مشاعر الحزن الأولى من جديد.
الخسارة الغامضة
استخدم عدد من الباحثين مفهوم “الخسارة الغامضة” لوصف التجربة النفسية التي يمر بها كثير من آباء وأمهات الأطفال المصابين بالتوحد. وتوضح دراسة نشرتها الباحثة باسيشنياك عام 2024 أن هذه الخسارة لا تتمثل في غياب الطفل جسديا، بل في غياب الصورة المستقبلية التي كان الوالدان يتخيلانها له قبل التشخيص، أو تغيرها بصورة جذرية بعده. وتُعد هذه الحالة من أكثر أشكال الفقد تعقيدا، لأنها لا تحظى عادة باعتراف اجتماعي واضح؛ فلا يوجد فقدان بالمعنى التقليدي يدفع المحيطين إلى تقديم التعزية أو الدعم، بينما يواصل الوالدان التعايش مع مشاعر الحزن والقلق والأسئلة المؤلمة بصورة متجددة. كما أشارت الدراسة إلى أن الحزن لا يقتصر على مرحلة التشخيص، بل قد يتجدد كلما واجه الطفل محطة نمائية أو اجتماعية لم يبلغها في العمر المتوقع مقارنة بأقرانه.
وتكشف الأرقام الحديثة حجم العبء النفسي الذي قد يرافق مرحلة التشخيص. فقد خلصت مراجعة منهجية نُشرت عام 2024 في المجلة الدولية للإعاقات النمائية (International Journal of Developmental Disabilities)، واستندت إلى تحليل نتائج عدد من الدراسات، إلى أن أكثر المشاعر شيوعا لدى الآباء والأمهات بعد التشخيص تتمثل في الصدمة، والإنكار، والخوف، والشعور بالذنب، والغضب، والحزن. كما أظهرت المراجعة أن الأمهات غالبا ما يعانين مستويات أعلى من الحزن مقارنة بالآباء، ولا سيما خلال المرحلة الأولى التي تلي التشخيص مباشرة.

الأب والأم.. رحلتان مختلفتان نحو التقبل
وتشير النتائج كذلك إلى أن معدلات القلق بين آباء وأمهات أطفال التوحد تصل إلى نحو 33%، في حين تبلغ معدلات الاكتئاب نحو 31%. وأفاد عدد كبير من المشاركين في الدراسات بأنهم لم يتلقوا دعما نفسيا أو معلوماتيا كافيا خلال هذه المرحلة الحساسة. وقد دعمت هذه النتائج أيضاً أبحاث منشورة في دورية “نيتشر: الاتصالات في العلوم الإنسانية والاجتماعية” عام 2025.
كما تشير الدراسات إلى وجود اختلافات في الطريقة التي يعيش بها الآباء والأمهات مرحلة الإنكار والتكيف مع التشخيص. فالأمهات غالبا ما يُظهرن مشاعرهن بصورة أكثر وضوحا، ويلجأن إلى البحث المكثف عن المعلومات والقراءة والتواصل مع المختصين، وهو ما قد يضع بعضهن في دائرة من القلق المستمر والبحث المتواصل عن الإجابات.
أما الآباء، فكثيرا ما يعبرون عن مشاعرهم بطريقة أقل مباشرة، إذ قد ينغمسون في العمل لفترات أطول، أو يتجنبون الحديث عن التشخيص، أو يركزون بشكل مفرط على الحلول العملية والخطط المستقبلية باعتبارها وسيلة للهروب من المواجهة العاطفية. ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن كلا النمطين يمثلان استجابات بشرية طبيعية، وأن كلا الوالدين يحتاج إلى الوقت والمساحة الكافية لمعالجة مشاعره وفهم ما يمر به.
الإنكار والتكيف النفسي
ورغم أن الإنكار يعد جزءا طبيعيا من عملية التكيف النفسي، فإن الخبراء يحذرون من تحوله إلى عائق طويل الأمد. فالمشكلة تبدأ عندما يؤدي الإنكار إلى تأخير التقييمات الضرورية أو منع الأسرة من بدء التدخلات العلاجية المناسبة في الوقت المناسب، أو عندما يحرم الطفل من الخدمات التعليمية والدعم الذي يحق له الحصول عليه.
ويؤكد المختصون أن الأشهر الأولى بعد التشخيص تمثل فترة شديدة الأهمية، لأن نافذة التدخل المبكر تكون في أفضل حالاتها، وكل شهر يمر دون الحصول على الدعم المناسب قد يؤثر في فرص الطفل للاستفادة القصوى من البرامج العلاجية والتعليمية.
الهدف من الحديث عن الصدمة والإنكار ليس إضافة مزيد من الضغط على الأسر، بل طمأنتها إلى أن ما تشعر به طبيعي ومفهوم ومشترك بين عدد كبير من الآباء والأمهات حول العالم. وقد تكون الخطوة الأولى والأبسط هي التحدث بصراحة مع الطبيب أو الأخصائي المسؤول عن متابعة الطفل، والاعتراف بالمشاعر الحالية دون خوف أو خجل. فقول عبارة مثل: “أنا لست متأكدا من التشخيص وأحتاج أن أفهم أكثر” قد يكون بداية مهمة لحوار يبدد كثيرا من المخاوف ويفتح الباب أمام فهم أعمق وخطوات أكثر وضوحا في رحلة دعم الطفل والأسرة معا.
Source link
الجزائر Algerie 48 أول شبكة مراسلين جزائرية مستقلة