بعد عام ونصف على سقوط نظام بشار الأسد إثر حرب طويلة دمرت مقدرات البلاد، باتت سوريا الآن “على مفترق طرق”.. إما السير نحو مستقبل اقتصادي أفضل أو تفويت فرصة تاريخية.
خسر الاقتصاد السوري خلال أكثر من عقد من الحرب نحو نصف قيمته التي لا تتجاوز الآن 21 مليار دولار، حسب تقديرات البنك الدولي.
وأُعيد تصنيف سوريا دولة منخفضة الدخل في عام 2018 إذ يعيش أكثر من 90 بالمئة من سكانها البالغ عددهم حوالي 25 مليون نسمة تحت خط الفقر، وفقا لوكالات الأمم المتحدة.
لكن البلاد الآن في مرحلة محاولة البناء الاقتصادي، مرتكزة على ما يقدمه المجمتع الدولي من تسهيلات.
ويتفق خبراء اقتصاد تحدثوا لـ “الحرة” أن الانفتاح الدولي الأخير نحو سوريا يمكن أن يؤسس لتحسين أوضاعها الاقتصادية، لكنهم يرون أن هذا الأمر مشروط بخطوات أساسية يجب أن يتخذها الحكام الجدد لإزالة عقبات لاتزال تقف حجر عثرة.
الإعلان الأميركي الأخير ببدء إجراءات إزالة اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب كان أحدث خطوة في سلسلة من الخطوات التي اتخذها المجتمع الدولي لمساعدة البلاد على تجاوز ماضيها والسماح بتدفق الأموال الخارجية لدعم اقتصاد متهالك.
وتبقى عدة أسئلة بحاجة إلى إجابات: هل سوريا جاهزة لذلك؟ وما المطلوب لنجاح هذه الفرصة التاريخية؟
فراس شعبو، الأكاديمي والخبير الاقتصادي السوري، تحدث لـ”الحرة” عن خطوات “إيجابية” تمثلت في الإعلان الأميركي الأخير وما سبقه من رفع لعقوبات أميركية وأوربية وكندية وحتى يابانية.
وأسفرت الزيارة الأخيرة للرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إلى سوريا في السابع من يوليو، كأول رئيس دولة في الاتحاد الأوروبي يزور البلاد في عهدها الجديد، عن توقيع حزمة واسعة من الاتفاقيات التي شملت قطاعات إعادة الإعمار والبنية التحتية والاقتصاد والطاقة.
ولفت هوارد شاتز، وهو خبير اقتصادي أول في مؤسسة “راند” البحثية الأميركية، في تصريحات لـ “الحرة” إلى أن رفع اسم سوريا من الدول الراعية للإرهاب قد يساعد بالفعل في تحسين أوضاعها.
وعدّد مجموعة من “الخطوات الهامة” التي تشمل إعادة ربط المصارف السورية بالنظام المالي العالمي، وإقرار القانون رقم 114 الجديد الذي عدل بعض مواد قانون الاستثمار وقدم حوافز للمستثمرين، بما في ذلك السماح بالملكية الأجنبية الكاملة بنسبة 100% في العديد من القطاعات.
تدفق استثماري
تلقت سوريا خلال الأشهر التي تلت سقوط نظام الأسد عروضا استثمارية أوروبية وأميركية وخليجية ضخمة.
وقعت دمشق، الشهر الماضي، اتفاقات مع شركتي كونوكو فيليبس ونوفاتيرا إنرجي الأميركيتين، بهدف تطوير عدد من حقول الغاز في سوريا وزيادة الإنتاج من الحقول القائمة.
وحصلت شركة زين الكويتية على ترخيص لتشغيل شبكة هواتف محمولة في سوريا، ووقعت السعودية عقوداً استثمارية في قطاعات الطيران والاتصالات والبنية التحتية شملت خط طيران جديد باسم “ناس سوريا” وتطوير مطار حلب.
ووقعت الدوحة ودمشق اتفاقيات لمشاريع في القطاع المالي والعقاري والطاقة.
وأعلنت الإمارات عن حزم استثمارية استراتيجية كبرى في العقارات والمرافئ والخدمات اللوجستية، من أهمها توقيع موانئ دبي العالمية اتفاقية بقيمة 800 مليون دولار لتطوير محطة حاويات في ميناء طرطوس.

وأعلنت شركة إعمار العقارية عن مشاريع في دمشق بقيمة 12 مليار دولار، وفي الساحل السوري بقيمة تصل إلى 7 مليارات دولار، ستوفر نحو 100 ألف فرصة عمل.
والشهر الماضي، زار رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس سوريا لاستكشاف فرص استثمارية في قطاع العقارات.
وبحسب موقع “إعادة إعمار سوريا” وهو منصة أكاديمية، فإن أولويات الاستثمار في البلاد تشمل إعادة تأهيل الطرق، وزيادة القدرة الاستيعابية لنقل البضائع من 140 ألفاً إلى 250 ألف شاحنة سنوياً، ورفع إنتاج النفط من 400 ألف إلى 600 ألف برميل يومياً، واستصلاح 1.7 مليون هكتار وزيادة إنتاج القمح إلى 4.1 مليون طن (مقارنة بـ 1.2 مليون طن حالياً)، والحصول علىى نحو 3 مليارات دولار سنوياً من السياحة.
لكن تبقى التحديات…
الهاجس الأمني
لم تمر سوى فترة زمنية قصيرة من زيارة ماكرون حتى اهتزت دمشق على وقع تفجيرين، تبين لاحقا مسؤولية تنظيم “داعش” عنهما.
وخلال الزيارة، خرج الرئيس التنفيذي لشركة توتال إنرجي، باتريك بويانيه، صحبة ماكرون إلى الصحفيين في دمشق ليعلن عن مشاريع الشركة في البلاد.
التصريحات كانت إيجابية، حيث قال إن الموقع الجغرافي لسوريا يمنحها إمكانية التحول إلى دولة عبور محورية للنفط المتجه نحو البحر الأبيض المتوسط، بما يوفر مسارات بديلة عن مضيق هرمز.
لكنه لفت إلى هاجس مهم بالقول: “من الواضح أن الوضع الأمني لا يزال يمنع عملنا هنا في الوقت الراهن”.
وأضاف: “قطاع النفط في حالة سيئة حاليا، فقد استمرت مجموعات مختلفة في الإنتاج خلال الصراع لكن بطريقة تفتقر إلى المعايير السليمة تماما… بصراحة، سوريا ليست سوقا نفطية رئيسية”.
ولا تزال العاصمة تشهد حوادث أمنية واستهدافا للمدنيين والمسؤولين، واضطرت السلطات إلى تشديد الإجراءات الأمنية بشكل يؤثر على بيئة العمل المعتادة.
وتشكل هذه التهديدات المستمرة من الخلايا المسلحة المتطرفة والعناصر المرتبطة بالموالين لنظام الأسد، بالإضافة إلى توترات إقليمية، وحالة من عم الاستقرار السياسي والاجتماعي، تهديدات لبيئة الاستثمار.
الانقسامات الداخلية
تؤثر الخلافات بين الحكومة في دمشق والأكراد في شمال البلاد والدروز في جنوبها بشكل مباشر على البيئة الاستثمارية في سوريا، حيث تزيد من مخاطر تفتت البلاد وتجدد النزاعات المسلحة، حسب الخبير الاقتصادي شاتز.
ورغم إبرام الحكومة اتفاقا مع الأكراد في شمال شرق البلاد، لايزال من الصعب تطبيقه على أرض الواقع.
ويمثل الوجود الكردي المسلح ذريعة مستمرة لتدخلات عسكرية تركية، ما يجعل المناطق الشمالية بأكملها منطقة خطرة وغير صالحة للاستثمار طويل الأجل.
وبرز ملف السويداء ذات الأغلبية الدرزية في جنوب سوريا بقوة، حيث أظهر الفلتان الأمني والتهريب، مدى ضعف سلطة الدولة المركزية التي لم تدخل إلى المحافظة رسميا حتى الآن.
وهدد التوتر في السويداء ودرعا أمن الحدود الجنوبية مع الأردن، وهي الشريان البري الرئيسي للتجارة والاستثمار بين سوريا ودول الخليج.
هذا الوضع جعل المستثمرين الأجانب يخشون إبرام عقود مع حكومة مركزية لا تفرض سيطرتها الكاملة على أراضيها، فضلا عن مخاوف من إلغاء هذه العقود أو تعرض المنشآت للقصف والنهب.
ويمنع استمرار الخلافات مع المكونات المحلية مثل الدروز والأكراد الوصول إلى تسوية سياسية شاملة، وهو الشرط الأساسي الذي تضعه الدول الغربية والمؤسسات المالية الدولية لتمويل إعادة الإعمار ورفع ما تبقى من قيود اقتصادية.
يقول شاتز إن “العنف والخلافات العرقية هما العقبة الأكثر وضوحا”.
مشكلات تنظيمية
بالإضافة إلى ذلك هناك أيضا “المنظومة التشغيلية” أو ما يعني المقومات الهيكلية للاقتصاد الحديث، فهي لا تزال قيد التطوير.
ويشمل ذلك تحديث القوانين واللوائح المنظمة للإعمار. ورغم تحسن البنية التحتية، مثل خدمات المياه والكهرباء، فهي بحاجة إلى مزيد من العمل الشاق، حسب شاتز.
ويشير شعبو إلى سوء حالة البنية التحتية مثل الطاقة والكهرباء وغياب وجود ملاءة مالية وتنظيمية، وضعف الطلب المحلي، وضعف الأجور، وزيادة التضخم والفقر، وسوء حالة الجهاز المصرفي، وضعف الثقة في المؤسسات السورية والليرة .
وتعاني سوريا أيضا من مشكلة تضارب وعدم كفاية البيانات الاقتصادية الرسمية وعدم الإفصاح بشكل كامل عن الميزانيات، واتخاذ قرارات اقتصادية دون تدقيق، أو إجراء عملية بيع وشراء دون طرح مناقصات عامة.
بالإضافة إلى ذلك، أدت الحرب الطويلة إلى “تراجع حاد” في رأس المال البشري في سوريا، ما خلق فجوة في المهارات في مجالات متنوعة، وهو ما يعيق الاستثمار، حسب شاتز.
ويرى كيث كرين، خبير اقتصادي أول في مؤسسة “راند” أن أهم مصدر للاستثمار في دولة عانت من كل هذه المشاكل يجب أن يكون السوريين المغتربين، الذي بدأوا في التوافد للعودة لإنشاء مشاريع تجارية صغيرة أو متوسطة.
أما الاستثمارات الكبرى لشركات أجنبية، “فلن تحدث بسرعة”، باستثناء قطاعات محتملة مثل النفط نظراً لوجود حقول بحاجة إلى تطوير.
ويشير إلى أن الاستثمارات في مجالات صغيرة يقوم بها السوريون المغتربون ستعزز ثقة الشركات الكبرى على الدخول بقوة.
صفقات تعتمد على العلاقات
و يحذر كرين من أنه أحيانا يتم الحديث عن توقيع مذكرات تفاهم أو استكشاف فرص استثمارية، لكنها لا تتم بالضرورة على أرض الوقع.
ويقول إنه ينبغي أولا تحسين الاستقرار الأمني، وطريقة التعامل مع الأقليات العرقية، فإذا ساد شعور بأن الحكومة السورية “تتعامل مع جميع المواطنين على قدم المساواة وتحمي حقوق الأقليات، فمن المرجح أن تدخل الشركات إلى السوق”.
ويرى ننار حواش، خبير الشأن السوري في مجموعة الأزمات الدولية: أن دخول سوريا مرحلة الانفتاح يعتمد على قدرة المؤسسات المحلية على توفير معاملة يمكن التنبؤ بها وتستند إلى قواعد واضحة، بدلاً من الاعتماد على العلاقات الشخصية للوصول إلى الفرص.
ويقول إن العديد من الصفقات تعتمد على العلاقات الشخصية مع غياب الشفافية في إبرام التعاقدات ومنح الموافقات، وفشل المحاكم في تسوية النزاعات التجارية.
ويشير شاتز أيضا إلى الإشكالية ذاتها وهي تركز السلطة في أيدي القادة والمقربين منهم.
ويعتبر أن تخفيف العقوبات وشطب الأسماء من القوائم السوداء يمهدان الطريق بلا شك لدخول السوق، لكن تدفق الاستثمارات لن يحدث إلا بضمان وجود نظام قضائي وتشريعي يضمن حقوق الملكية وإنفاذ العقود.
ويتوقع أن تتركز الأنشطة في المرحلة المقبلة على المشاريع القادرة على التعامل مع هذه الفجوات المؤسسية، حتى يتحسن الوضع تدريجيا.
ما تحتاجه سوريا
يقول شعبو إن سوريا الآن بحاجة إلى استعادة الثقة ما بين أبناء المجتمع والمؤسسات الداخلية، بالإضافة إلى الثقة بين المؤسسات السورية والإقليمة والدولية.
ويضيف أن سمعة المؤسسات المالية السورية تحتاج أيضا إلى تحسين، بعدما ظلت لفترة طويلة مرتبطة بالإرهاب وتجارة الكبتاغون.
يدعو شعبو أيضا إلى تعزيز الحوكمة والشفافية (وهو مطلب أممي) خاصة ما يتعلق بالموارد وضمان سيادة القانون وتحسين البنية التحتية الداخلية، وتبسيط الإجراءات على صعيد الاستثمار والتمويل مع ضمان حقوق المستثمرين.
ويشدد على أن سوريا تحتاج الآن إلى الاستقرار المالي من خلال رفع القيود على السيولة و سحب الأموال ومحاربة شركات الصرافة التي تتحكم في الأسواق.
يقول كرين إن الحكومة السورية أبلت بلاء حسنا في محاربة الفساد وحدث تحسن نسبي في توفير الحريات، لكنها تحتاج إلى نظام لسعر الصرف يتيح للناس تحريك الأموال داخل البلاد وخارجها، سواء لغرض البيع أو الشراء دون الحاجة للمرور بأنظمة معقدة تعيق شراء أو بيع العملات الأجنبية أو استيراد البضائع.
وبمجرد التخلص من هذه العقبات ” سيبدأ الناس في القدوم والاستثمار”، حسب رأيه.
وانهارت الليرة السورية بشكل بالغ الحدة خلال سنوات الحرب، حيث كان الدولار يساوي 47 ليرة في 2011 عندما بدأ القتال وأصبح الآن بـ 11065 ليرة، أي أن العملة السورية لم تعد تحتفط سوى بنحو 1 بالمئة من قيمتها.

أما شعبو فيرى أن أمر تحسن البيئة الاستثمارية في البلاد “يعتمد نوعا ما على التوجهات السياسية للحكومة الجديدة”، مؤكدا الحاجة إلى “شعور بأنهم يتجهون نحو انتخابات حرة، وأن مستويات العنف في البلاد منخفضة، وأنهم لا يمارسون الاضطهاد “.
بينما يعول كرين على المغتربين ويقول: “إذا كان السوري المغترب مترددًا في ضخ الأموال في البلاد، فإن الأشخاص غير المطلعين على الوضع في سوريا سيكونون أكثر ترددًا في الاستثمار فيها.”
ويعتمد الاستثمار المستدام في سوريا على تحقيق توازن أساسي بين الجوانب الأمنية والسياسية والمؤسسية، مما يمنح المستثمرين والمواطنين الثقة في استقرار البلاد.
ويجمع الخبراء أن الإجراءات الأمنية الاستباقية التي تساهم في تقليل احتمالات الاضطرابات المفاجئة، والفرص العادلة التي يوفرها الإطار السياسي لمختلف فئات المجتمع، ستمكن المستثمرين من التخطيط على المدى البعيد، وسيرى السوريون ثمار إعادة الإعمار متمثلة في فرص عمل وخدمات تدعم استقرار حياتهم اليومية.
ويشيرون إلى إن سوريا بحاجة إلى إجراء انتخابات حرة لغرف الأعمال والمجالس المحلية، واستعادة الرقابة المستقلة على المؤسسات الاقتصادية الرئيسية، وتعزيز الشفافية في ما يتعلق بالميزانيات العامة، وقوانين الوصول إلى المعلومات.
يلخص الخبراء أن ما تحتاجه سوريا لجذب الاستثمارات الأجنبية الكبيرة وطويلة الأجل هو تعزيز الشفافية والحوكمة وحماية حقوق الملكية وآليات صنع السياسات.
ويختتم شعبو بالقول: “سوريا على مفترق طرق، إزالة العقوبات تفتح الباب على مصراعيه لجذب الاستثمار الفعلي لكن الأمر يتوقف على تجاوز العقبات الداخلية وبناء بيئة جاذبة وموثوقة للمستثمرين”.
Source link
الجزائر Algerie 48 أول شبكة مراسلين جزائرية مستقلة