هل استعادت آبل مكانتها في سباق الذكاء الاصطناعي؟ | تكنولوجيا

هل استعادت آبل مكانتها في سباق الذكاء الاصطناعي؟ | تكنولوجيا

في أواخر عام 2023 ومطلع عام 2024، بدا المشهد التقني في وادي السيليكون وكأن قطار الذكاء الاصطناعي التوليدي قد غادر المحطة بالكامل، تاركا شركة آبل وحيدة على الرصيف، في وقت كانت فيه شركات مايكروسوفت، وغوغل، وميتا، وأوبن إيه آي تتبادل إعلان النماذج اللغوية الضخمة (LLMs) ومليارات المعلمات بصفة أسبوعية. التزمت آبل صمتا أثار قلق المستثمرين، ودفع أسهمها إلى تراجعات ملحوظة وسط اتهامات بالتأخر التكنولوجي.

ومع ذلك، كشف النصف الأول من هذا العام أن تأخر آبل لم يكن عجزا، بل كان خيارا إستراتيجيا مدفوعا بالفلسفة التي طالما تميزت بها الشركة، وهي “لا تكن الأول، بل كن الأفضل والأكثر تكاملا”.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

فاليوم أصبح قطاع الأعمال التقني يتساءل: هل استعادت آبل مكانتها في هذا السباق؟ والإجابة لا تكمن في تصنيفها كـ”مخترع” لأقوى النماذج، بل في نجاحها بفرض نظامها البيئي كمنصة انطلاق لا غنى عنها للذكاء الاصطناعي العالمي.

هل استعادت آبل مكانتها في سباق الذكاء الاصطناعي؟ | تكنولوجيا
آبل تمتلك أفضلية احتكارية كبرى بفضل قاعدة مستخدمين نشطة تتجاوز مليار ونصف المليار جهاز حول العالم (شترستوك)

نموذج “الذكاء الشخصي” والأجهزة المحمولة

بينما ركزت الشركات المنافسة على بناء نماذج “تعرف كل شيء” وتجيب عن أسئلة السفر والطبخ، غيرت آبل الدفة نحو ما أطلقت عليه “ذكاء آبل” (Apple Intelligence). ووفقا لتقارير المراجعات التقنية الصادرة عن بلومبرغ وموقع ذا فيرج الأمريكيين عقب مؤتمر المطورين الأخير لآبل، لم تحاول الشركة بناء روبوت دردشة عام، بل ركزت على “الوعي بالسياق الشخصي” (Personal Context).

فالذكاء الاصطناعي لدى آبل يعيش داخل نظام التشغيل “آي أو إس” (iOS) و”ماك أو إس” (macOS)، وهو قادر على قراءة وفهم البيانات الحيوية للمستخدم المحفوظة على جهازه مثل رسائل البريد الإلكتروني، ومواعيد التقويم، والصور، والإشعارات، دون المساس بخصوصيته.

وهذا النهج حوّل المساعد الرقمي “سيري” (Siri) من أداة تنفيذية بسيطة للأوامر الصوتية إلى مدير أعمال شخصي يفهم -على سبيل المثال- أن رحلة الطيران المذكورة في بريدك الإلكتروني قد تأخرت، ويقترح عليك تلقائيا تعديل موعد اجتماعك في التقويم.

سد الفجوة السحابية عبر غوغل وأوبن إيه آي

أدركت إدارة تيم كوك أن بناء بنية تحتية سحابية عملاقة لتشغيل نماذج لغوية ضخمة يتطلب حرق مئات المليارات من الدولارات في شراء رقاقات إنفيديا (Nvidia) وتشييد مراكز بيانات عملاقة، وهو ما قد يهدد التدفقات النقدية للشركة ويعرضها لمخاطر “فقاعة الذكاء الاصطناعي”، وبدلا من ذلك، سلكت آبل طريقا دبلوماسيا وتقنيا إستراتيجيا ذكيا.

فبحسب تقارير صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية وموقع تيك كرنش (TechCrunch) الأمريكي، فقد أبرمت آبل اتفاقيات إستراتيجية تاريخية لدمج نماذج خارجية رائدة داخل نظامها. والصفقة الأبرز كانت مع غوغل لدمج نموذج جيميناي (Gemini)، ليكون المحرك السحابي الأساسي للمهام المعقدة التي تتجاوز قدرة المعالجة المحلية للجهاز، إلى جانب شراكات مرنة مع أوبن إيه آي.

هذه الإستراتيجية حققت لآبل ضربة مزدوجة: أولا، أنها قدمت لمستخدميها أفضل ما توصل إليه الذكاء الاصطناعي التوليدي فورا دون الانتظار لسنوات من التطوير الذاتي. وثانيا، أنها نقلت عبء التكلفة التشغيلية الهائلة وصيانة الخوادم السحابية إلى شركائها غوغل وأوبن إيه آي، بينما احتفظت هي بواجهة المستخدم والتحكم في تجربة العميل النهائية.

Apple iPhone 16 are on display during the launch September 20, 2024, at the Apple Store in New York . Apple on September 9, 2024 announced a new iPhone built for generative artificial intelligence as it seeks to boost sales and show it is keeping up in the technology race. (Photo by TIMOTHY A. CLARY / AFP) (Photo by TIMOTHY A. CLARY/AFP via Getty Images)
معالجات آبل المصنوعة من السيليكون تضمن كفاءة عتادية فائقة لمعالجة عمليات الذكاء الاصطناعي محليا وبسرعة (غيتي)

معيار الخصوصية والحوسبة السحابية الخاصة

أكبر عائق يواجه تبني الذكاء الاصطناعي في قطاعات الأعمال والمستخدمين الأفراد هو “مخاوف الخصوصية” وتسريب البيانات إلى السحابة لتدريب النماذج. وهنا، رفعت آبل راية الخصوصية كأهم ميزة تنافسية لها.

فقد قدمت الشركة بنية تقنية تُعرف باسم الحوسبة السحابية الخاصة (Private Cloud Compute)، ووفقا لتوثيق آبل التقني المنشور والذي حلله خبراء الأمن السيبراني في مؤسسة الحدود الإلكترونية (EFF) الأمريكية، فإن البيانات التي تخرج من جهاز آيفون إلى سحابة آبل لمعالجة أمر معقد لا يتم تخزينها أبدا، ولا تستطيع آبل نفسها الاطلاع عليها، ويتم تشفيرها باستخدام رقاقات السيليكون الخاصة بآبل في مراكز بياناتها.

هذا الالتزام الصارم بالخصوصية جعل آبل الخيار المفضل للمؤسسات الحذرة والمستخدمين القلقين على بياناتهم الشخصية، وهو ما يفتقر إليه المنافسون الذين يعتمدون على النماذج السحابية المفتوحة.

1.5 مليار نافذة جاهزة

تمتلك الشركات المطورة للذكاء الاصطناعي مثل أوبن إيه آي وأنثروبيك أدمغة برمجية فائقة، لكنها تفتقر إلى “الجسد” (الأجهزة) الذي يتفاعل معه المستخدم بشكل يومي. ومحاولات إطلاق أجهزة ذكاء اصطناعي مستقلة مثل هيومان إيه آي بين (Humane AI Pin) أو رابيت آر 1 (Rabbit R1) باءت بفشل ذريع كما وثقت التقارير التقنية لعامي 2024 و2025 بسبب ضعف الأداء وغياب النظام المتكامل.

وهنا يكمن تفوق آبل المطلق، فالشركة تمتلك قاعدة مستخدمين نشطة تتجاوز 1.5 مليار جهاز آيفون حول العالم. ومعالجات آبل من سلسلة (إيه) للهواتف وسلسلة (إم) للحواسيب مزودة بمحركات عصبية (Neural Engines) فائقة القوة صممت خصيصا لمعالجة الذكاء الاصطناعي محليا وبسرعة مذهلة.

وفي تقرير صادر عن مؤسسة غارتنر لأبحاث السوق، تبين أن دورة ترقية الأجهزة التي تقودها ميزات الذكاء الاصطناعي الحصرية على هواتف آيفون 15 برو والإصدارات الأحدث مثل آيفون 16 و17، تمثل أكبر قفزة مبيعات لآبل منذ سنوات. وآبل لا تحتاج للبحث عن مستخدمين، فالمستخدمون متواجدون بالفعل على أجهزتها وينتظرون فقط تحديث النظام لتفعيل الميزات.

آبل تعتمد على نهج الذكاء على الجهاز للحفاظ على الخصوصية وتقليل الاعتماد على السحابة (شترستوك)

هل استعادت آبل مكانتها؟

بناء على كل ما سبق، وإذا كان قياس “المكانة” يعتمد على من يمتلك النموذج الأكبر أو من ينشر أوراقا بحثية برمجية أكثر تعقيدا، فإن آبل ليست في المركز الأول، وغوغل ومايكروسوفت تتفوقان عليها تقنيا.

ولكن، إذا كان القياس يعتمد على “الذكاء الاصطناعي الاستهلاكي المستدام والآمن” أي من ينجح في جعل الذكاء الاصطناعي جزءا طبيعيا ومفيدا من الحياة اليومية للمليارات دون تعقيد وبأقصى درجات الأمان، فيمكن القول إن آبل أعادت هندسة اللعبة، وباتت في مرحلة متقدمة، وتركت منافسيها في معركة تطوير النماذج.


Source link

عن عبد الله

المؤسس و الرئيس التنفيذي لموقع الجزائر 48

شاهد أيضاً

كأس العالم 2026.. واقعة مروعة أمام ملعب تدريب المنتخب الإيراني | رياضة

كأس العالم 2026.. واقعة مروعة أمام ملعب تدريب المنتخب الإيراني | رياضة

Published On 13/6/202613/6/2026 عُثر، الجمعة، على جثة في حالة تحلل داخل صندوق سيارة متوقفة بالقرب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *