Published On 20/7/2026
تستعرض الباحثة د. فاطمة الصمادي، في دراستها المعنونة “خونخواهی: الثأر لدم المقتول في الخطاب الإيراني”، الصادرة عن مركز الجزيرة للدراسات ، الجذور التاريخية والثقافية والدينية لمفهوم “خونخواهی” (الثأر)، وكيف تحوَّل من موروث ملحمي في الثقافة الإيرانية القديمة إلى أحد المرتكزات الفكرية والسياسية في خطاب الجمهورية الإسلامية.
وترى الدراسة أن مفردات “الدم” و”الثأر” و”الانتقام” والرايات الحمراء التي برزت بقوة عقب اغتيال آية الله علي خامنئي لا تمثل مجرد لغة تهديد سياسي، وإنما تستند إلى منظومة رمزية عميقة تجعل الثأر واجبًا أخلاقيًّا ودينيًّا وتاريخيًّا ينتقل عبر الأجيال حتى يتحقق القصاص.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of list
أولًا: الجذور التاريخية والثقافية لمفهوم الثأر
ترى الدراسة أن مفهوم “خونخواهي” لا يرتبط في الثقافة الإيرانية بالانتقام الفردي، بل يقوم على رؤية أخلاقية تعتبر الثأر وسيلة لاستعادة العدل بعد انتهاكه بقتل شخصية تتمتع بشرعية دينية أو أخلاقية. ولهذا ظل هذا المفهوم حاضرًا في الذاكرة الإيرانية منذ الملاحم القديمة، قبل أن ينتقل إلى الفكر الشيعي ثم إلى الخطاب السياسي للجمهورية الإسلامية.
وتوضح الباحثة أن أقدم تجليات هذا المفهوم تظهر في ملحمة “يادگار زريران”، حيث يتحول دم القائد الإيراني زرير إلى قضية تتجاوز حدود الأسرة، فينهض ابنه بستور للأخذ بثأره، لا بوصفه واجبًا عائليًّا فحسب، وإنما دفاعًا عن الجماعة والنظام الأخلاقي الذي يمثله الأب. ومن هنا يصبح الدم مصدرًا لتكليف تاريخي لا ينتهي بمرور الزمن، بل يظل قائمًا حتى يتحقق القصاص.
وتجد الدراسة البناء نفسه في “الشاهنامة” للفردوسي، حيث تدور أبرز الحروب حول الثأر لدم إيرج وسياوش. وتلفت إلى أن الرواية لا تجعل الثأر حقًّا لكل ملك أو قائد، وإنما تقصره على الشخصيات التي تتمتع بشرعية أخلاقية، مثل إيرج وسياوش، اللذين يقدمان باعتبارهما رمزًا للطهر والعدل والسلام.
ولذلك يصبح قتلهما اعتداءً على النظام الأخلاقي نفسه، ويغدو الانتقام وسيلة لإعادة “داد”؛ أي العدل والنظام، إلى المجتمع.
وتشير الباحثة إلى أن القصاص في المخيال الإيراني لا يقتصر على معاقبة القاتل، بل يمثل بداية لمرحلة تاريخية جديدة؛ إذ ينتقل واجب الثأر من الآباء إلى الأبناء، ويبقى قائمًا حتى يتحقق العدل. وترى أن هذه الفكرة انتقلت بصورة واضحة إلى الفكر الشيعي، حيث يوصف الإمام الحسين بأنه “ثار الله”، ويصبح الأخذ بثأره مشروعًا ممتدًّا عبر الزمن يرتبط بظهور الإمام المهدي، بما يحول الدم إلى قضية تتجاوز الأشخاص والأجيال.
كما تفسر الدراسة من هذا المنطلق رمزية الرايات الحمراء وشعار “يا لثارات الحسين”، باعتبارهما إعلانًا عن دم لم يُقتص له بعد، وتكليفًا تاريخيًّا مستمرًّا بالمطالبة بالقصاص.

ثانيًا: من الذاكرة الدينية إلى الخطاب السياسي الإيراني
ترى الدراسة أن مفهوم “خونخواهي” لم يبق حبيس التراث الملحمي أو الموروث الديني، بل أصبح أحد الأطر المرجعية التي يستند إليها الخطاب السياسي للجمهورية الإسلامية. فاستدعاء مفردات “الدم” و”الثأر” و”الانتقام” والرايات الحمراء لا يهدف إلى إثارة المشاعر أو التعبئة السياسية فحسب، وإنما إلى إضفاء بعد تاريخي وأخلاقي على الصراع الراهن، عبر ربطه بسلسلة تبدأ بالملاحم الإيرانية القديمة، وتمر بكربلاء، وتنتهي بالأحداث المعاصرة، بحيث يبدو كل شهيد امتدادًا رمزيًّا لمن سبقه، ويصبح الصراع استمرارًا لمعركة تاريخية بين العدل والظلم.
وتوضح الباحثة أن هذا التوظيف ظهر بوضوح عقب اغتيال آية الله علي خامنئي، ولا سيما في الرسالة التي أصدرها نجله، مجتبى خامنئي، بمناسبة تشييعه ودفنه، والتي قدمت الثأر باعتباره امتدادًا لثأر الإمام الحسين، وربطت دماء القادة الإيرانيين بدماء شهداء كربلاء، مؤكدة أن الانتقام ليس رد فعل آنيًّا، وإنما “مطلب الأمة” و”تكليف إلهي” يستمر حتى يتحقق القصاص، بصرف النظر عن الأشخاص أو المواقع السياسية.
وترى الدراسة أن هذا الخطاب يكشف عن حضور بنية فكرية تعتبر الدم مصدرًا للشرعية، والثأر التزامًا أخلاقيًّا ودينيًّا ينتقل عبر الأجيال، تمامًا كما انتقل الثأر في الملاحم الإيرانية القديمة وفي الوعي الشيعي.
كما تشير الدراسة إلى أن رسائل مجتبى خامنئي المتعاقبة جعلت مفهوم الثأر أحد المحاور الثابتة في الخطاب الرسمي خلال الحرب، وهو ما عززه أيضًا رئيس منظمة الدعاية الإسلامية، محمد قمي، الذي دعا في ندوة بعنوان “لاهوت الانتقام” إلى تأصيل مفهوم “خونخواهي” فقهيًّا وعقديًّا، وتحويله إلى نظرية معرفية تدرس داخل المؤسسات الدينية والثقافية، بما ينقل الثأر من مجرد رمز تعبوي إلى إطار فكري وسياسي متكامل.
وتخلص الباحثة إلى أن هذا التطور يعكس محاولة واعية لإضفاء شرعية دينية على مفهوم الانتقام، وتحويله إلى جزء من الثقافة السياسية للجمهورية الإسلامية.
ثالثًا: “لاهوت الانتقام”.. الثأر بوصفه عقيدة سياسية
توضح الدراسة أن الخطاب الإيراني المعاصر تجاوز النظر إلى الثأر باعتباره استجابة عاطفية أو قرارًا سياسيًّا يخضع لموازين المصالح، ليقدمه باعتباره “مأمورية إلهية” و”حكمًا شرعيًّا” لا يجوز تعطيله أو تأجيله.
ووفقًا لهذا التصور، لا يظل الثأر مسؤولية فردية، وإنما يتحول إلى التزام يقع على عاتق الدولة ومؤسساتها، لأن إرادة الشعب، حين تنسجم مع الإرادة الإلهية، تصبح ملزمة للنظام السياسي. وبذلك ينتقل مفهوم “خونخواهي” من المجال الرمزي إلى المجال المؤسسي، ليصبح أحد عناصر شرعية الدولة ووظائفها.
وترصد الباحثة عشرة مرتكزات يقوم عليها هذا الخطاب؛ أبرزها اعتبار الرايات الحمراء رمزًا دائمًا للمطالبة بالثأر، والدعوة إلى بناء نظرية معرفية وفقهية تؤصل لهذا المفهوم، والتأكيد أن الانتقام واجب شرعي وسياسي لا يخضع للحسابات الظرفية، وأنه يتجاوز القصاص من المنفذين المباشرين ليشمل تحقيق أهداف إستراتيجية، مثل إنهاء الوجود الأمريكي في المنطقة والقضاء على إسرائيل، مع اعتبار إرادة الشعب الملزمة للدولة أحد مصادر هذا الواجب.
كما يركز الخطاب على وجود “بنك أهداف” يضم المسؤولين عن اغتيال القادة والعلماء الإيرانيين، وعلى ضرورة حرمان الخصوم من الشعور بالأمن، ورفض تأجيل الانتقام، واعتباره سنة إلهية وجهادًا مشروعًا يترتب عليه نيل الشهادة.
وترى الدراسة أن هذه العناصر مجتمعة تكشف انتقال الثأر من مفهوم ثقافي وديني إلى عقيدة سياسية تؤطر سياسات الجمهورية الإسلامية وخطابها التعبوي.

الخاتمة
تخلص الدراسة إلى أن مفهوم “خونخواهي” يمثل أحد أكثر المفاهيم رسوخًا في الثقافة الإيرانية، وأن حضوره في الخطاب السياسي للجمهورية الإسلامية لا يمكن فهمه بوصفه مجرد لغة تهديد أو دعوة إلى الانتقام، بل باعتباره امتدادًا لبنية ثقافية ودينية متراكمة تمتد من الملاحم الإيرانية القديمة إلى الفكر الشيعي المعاصر.
وترى الباحثة أن الدم، في هذا التصور، لا ينتهي بوقوع الجريمة، وإنما يتحول إلى ذاكرة جماعية، والذاكرة إلى تكليف ديني وأخلاقي، والتكليف إلى مشروع سياسي يستمر عبر الأجيال حتى يتحقق القصاص.
وتؤكد الدراسة أن استدعاء مفردات الدم والثأر والرايات الحمراء في الخطاب الإيراني يهدف إلى إعادة دمج الأحداث الراهنة في سردية تاريخية ممتدة تجعل الصراع الحالي استمرارًا لمعركة قديمة بين العدل والظلم، بما يسهم في إنتاج الشرعية السياسية، وتعزيز التعبئة المجتمعية، ومنح السياسات الإيرانية بعدًا دينيًّا وتاريخيًّا يتجاوز حدود الحدث الآني.
الدراسة كاملة (اضغط هنا)
Source link
الجزائر Algerie 48 أول شبكة مراسلين جزائرية مستقلة