لم يعد الفضاء مجرد ساحة للاستكشاف العلمي أو التنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى، بل تحول في العقدين الأخيرين إلى أحد أكبر مجالات التنافس في بعض أكثر القطاعات الاقتصادية نموا في العالم، مع تدفق مليارات الدولارات من المستثمرين والشركات الخاصة سعيا لاقتناص حصة من اقتصاد يتوقع أن تتجاوز قيمته تريليونات الدولارات في العقود المقبلة.
ويأتي الإدراج التاريخي لشركة سبيس إكس في بورصة ناسداك، بعد جمعها 75 مليار دولار في أكبر طرح عام أولي على الإطلاق وتقييمها بنحو 1.77 تريليون دولار، ليعكس حجم الرهانات التي يضعها المستثمرون على مستقبل الصناعات الفضائية، رغم أن الشركة لا تزال تحقق إيرادات أقل بكثير من عمالقة التكنولوجيا التقليديين.
اقرأ أيضا
list of 4 itemsend of list
ولا يمثل طرح سبيس إكس حدثا ماليا معزولا، بل هو مؤشر على التحول العميق الذي يشهده الاقتصاد العالمي، إذ انتقل الفضاء من كونه عبئا على موازنات الحكومات إلى قطاع اقتصادي متكامل يجذب رؤوس الأموال الخاصة ويعيد تشكيل أسواق التكنولوجيا والاتصالات والبنية التحتية الرقمية.

من الدول إلى الشركات
ارتبطت صناعة الفضاء تاريخيا بالحكومات، بدءا من سباق الفضاء بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي أثناء فترة ما عرف بـ”الحرب الباردة” (1957-1975)، وصولا إلى البرامج الوطنية الضخمة التي قادتها إدارة الطيران والفضاء الأمريكية (وكالة ناسا) ووكالات الفضاء الأوروبية والروسية والصينية.
لكن المشهد بدأ يتغير جذريا مع دخول القطاع الخاص إلى المجال الفضائي. وأحدثت شركة سبيس إكس لمالكها التريليونير الأمريكي إيلون ماسك تحولا كبيرا عندما نجحت في تطوير صواريخ قابلة لإعادة الاستخدام، مما أدى إلى خفض تكلفة إطلاق الحمولة إلى المدار بصورة غير مسبوقة مقارنة بالعقود السابقة.
وأنفقت “سبيس إكس” أكثر من 15 مليار دولار على تطوير صاروخ “ستارشيب” لتكون مركبة فضائية قابلة لإعادة الاستخدام ومصممة لإتاحة عمليات إطلاق سريعة لأقمار “ستارلينك” الصناعية ولمهمات مستقبلية لناسا إلى القمر.
وألهم هذا النجاح ظهور شركات جديدة مثل “بلو أوريجين” لمالكها جيف بيزوس و”روكيت لاب” و”فايرفلاي إيروسبيس”، لتتحول المنافسة تدريجيا من سباق بين الدول إلى سباق بين الشركات على العقود الحكومية والأسواق التجارية المستقبلية.

اقتصاد التريليونات
تشير تقديرات شركة ماكينزي إلى أن الاقتصاد الفضائي العالمي بلغ نحو 630 مليار دولار عام 2023، مع توقعات بوصوله إلى 1.8 تريليون دولار بحلول عام 2035، وهذا النمو المتسارع (بمعدل 9% سنويا) يتجاوز ضعف توقعات نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
أما المنتدى الاقتصادي العالمي وشركة “برايس ووترهاوس كوبرز” فيقدران أن الفضاء سيصبح أحد أهم محركات الاقتصاد العالمي في العقد المقبل، مدفوعا بالتوسع في الاتصالات والبيانات والخدمات الرقمية.
وتشير بيانات شركة “يوروكونسلت” المتخصصة إلى أن أكثر من 70% من القيمة الاقتصادية الحالية للفضاء تأتي من الخدمات التجارية المرتبطة بالأقمار الصناعية، وليس من الرحلات الفضائية أو استكشاف الكواكب كما يعتقد كثيرون.
أين تُصنع الأموال؟
ورغم الصورة المرتبطة بالرحلات المأهولة إلى الفضاء والصواريخ العملاقة، فإن الجزء الأكبر من العائدات يأتي من أنشطة أقل ظهورا وأكثر ربحية.
فالأقمار الصناعية أصبحت العمود الفقري للاقتصاد الرقمي العالمي، إذ تدعم خدمات الاتصالات والإنترنت والبث التلفزيوني والملاحة وتحديد المواقع والخدمات اللوجستية وإدارة سلاسل الإمداد والزراعة الذكية ومراقبة المناخ.
وتشير بيانات جمعية صناعة الأقمار الصناعية الأمريكية (SIA) إلى أن إيرادات صناعة الأقمار الصناعية التجارية بلغت نحو 285 مليار دولار في عام 2023، بما يمثل نحو 71% من إجمالي الاقتصاد الفضائي العالمي.
كما يشهد قطاع الإنترنت الفضائي نموا متسارعا مع توسع شبكات الأقمار الصناعية منخفضة المدار، إذ شهد العقد الأخير تحولا دراماتيكيا في مفهوم الاتصال بالإنترنت، فبعد أن كان العالم يعتمد كليا على الألياف الضوئية الممتدة في أعماق المحيطات وتحت التربة، بدأنا نشهد ولادة بنية تحتية جديدة كليا، تعرف بـ”السحابة المعدنية” أو كوكبات الأقمار الصناعية في المدارات الأرضية المنخفضة (Low Earth Orbit – LEO).
وتدير خدمة “ستارلينك” التابعة لـ”سبيس إكس” آلاف الأقمار الصناعية وتخدم ملايين المشتركين حول العالم، في سوق يتوقع أن تتجاوز قيمتها مئات المليارات من الدولارات في السنوات المقبلة.

رهان على المستقبل
أصبحت شركات الفضاء وجهة متنامية لرؤوس الأموال وصناديق الاستثمار العالمية، رغم أن كثيرا منها لا يحقق أرباحا كبيرة حتى الآن.
ويعكس تقييم “سبيس إكس” البالغ 1.77 تريليون دولار هذه الرهانات طويلة الأجل، إذ أعلنت الشركة أن الفرص السوقية التي تستهدفها تبلغ 28.5 تريليوناً دولار، مستندة إلى توسع خدمات الاتصالات الفضائية والإطلاقات التجارية والبنية التحتية المرتبطة بالفضاء.
وتقدمت “أوبن إيه آي”، مطورة تطبيق الذكاء الاصطناعي “تشات جي بي تي”، الاثنين الماضي بطلب لإجراء طرح عام أولي في الولايات المتحدة، في الوقت الذي يسعى فيه المستثمرون للاستفادة من الفورة التي يشهدها قطاع الذكاء الاصطناعي.
وأفادت رويترز بأن عملاق الذكاء الاصطناعي يستهدف تقييما قد يصل إلى تريليون دولار عند بدء التداول، مع ترجيحات بأن يتم الطرح في وقت قريب، وربما في سبتمبر/أيلول المقبل.
جاءت الخطوة بعد أيام من إعلان أنثروبيك، المطورة لنموذج الذكاء الاصطناعي “كلود”، تقدمها بطلب للإدراج في البورصة الأمريكية، وذلك عقب جولة تمويل ضخمة جمعت منها 65 مليار دولار ورفعت تقييمها إلى نحو 965 مليار دولار.
ويرى مستثمرون أن شركات الفضاء الحالية قد تصبح في العقود المقبلة النظير الجديد لشركات الإنترنت التي قادت الثورة الرقمية منذ تسعينيات القرن الماضي.

المنافسة بين أمريكا والصين
وراء الطفرة الاستثمارية في الفضاء تقف منافسة جيوسياسية متصاعدة بين الولايات المتحدة والصين. فالدولتان لا تتنافسان فقط على إرسال رواد الفضاء إلى القمر أو بناء قواعد فضائية، بل على امتلاك البنية التحتية التي سيعتمد عليها الاقتصاد العالمي مستقبلا، بما يشمل شبكات الاتصالات الفضائية وأنظمة الملاحة والاستشعار عن بعد والبيانات.
وضخت الحكومة الأمريكية عشرات المليارات من الدولارات في برامج الفضاء المدنية والعسكرية، وكشف مسؤولو الاعتمادات الدفاعية في مجلس النواب الأمريكي عن مشروع قانون إنفاق بقيمة 1.07 تريليون دولار للسنة المالية 2027، من شأنه أن يوفر 55.5 مليار دولار لقوة الفضاء الأمريكية.
فيما تواصل الصين تنفيذ برنامج فضائي طموح يشمل محطتها المدارية الخاصة، من أكثر أهدافه طموحا هبوط رائد فضاء صيني على القمر بحلول 2030، تسبق فيه بكين العديد من القوى العالمية.
وبحلول 2025، أطلقت الصين أكثر من 300 قمر صناعي في المدار، تشمل تطبيقات الاتصالات والبث الفضائي والاستشعار عن بعد وتحديد المواقع، وسط تحركات صينية واسعة النطاق تهدف إلى حجز مواقع مدارية قد تفتح الباب مستقبلا أمام إطلاق مئات الآلاف من الأقمار الصناعية.
وتنظر الدول الكبرى إلى هذه المنظومات باعتبارها أصولا إستراتيجية ذات أبعاد اقتصادية وعسكرية في آن واحد.

صناعات لم تولد بعد
ورغم أن الأقمار الصناعية تمثل المصدر الرئيسي للإيرادات حاليا، فإن الأنظار تتجه نحو قطاعات لا تزال في مراحلها الأولى، ومن أبرزها التعدين الفضائي، الذي يستهدف استخراج المعادن النادرة من الكويكبات والقمر.
ووفقا لوكالة “ناسا”، فإن حزام الكويكبات في النظام الشمسي بأكمله يضم ثروة معدنية يمكن أن تصل إلى نحو 700 كوينتيليون دولار (7 يليها 20 صفرا، فالكوينتيليون الواحد يساوي مليون تريليون)، وهذا يعني 100 مليار دولار لكل واحد من سكان الأرض.
ومن القطاعات أيضا السياحة الفضائية، وهي تجربة السفر إلى الفضاء على مركبات فضائية خاصة، وهي أحد جوانب الاقتصاد الفضائي الذي يشمل استكشاف الفضاء واستخدام موارده.
انطلقت فكرة السياحة الفضائية فعليا في 2021 عندما نفذت شركات مثل “سبيس إكس” و”بلو أوريجين” و”فيرجن غالاكتيك” أولى رحلاتها التي تضمنت نقل مسافرين مدنيين إلى الفضاء.
كما تدرس شركات ومراكز أبحاث إمكانات التصنيع في بيئات انعدام الجاذبية، خاصة في الصناعات الدوائية والمواد المتقدمة، وهي مجالات قد تفتح أسواقا جديدة في العقود المقبلة.
وحققت الصين في يناير/كانون الثاني الماضي إنجازا تاريخيا بتنفيذ أول طباعة ثلاثية الأبعاد للمعادن في بيئة الجاذبية الصغرى، وهو ما يفتح آفاقا جديدة للتصنيع الذاتي ودعم مهمات القمر والمريخ.

ما بعد الذكاء الاصطناعي؟
كما يقود الذكاء الاصطناعي موجة الاستثمار الحالية، تفيد العديد من التقارير الاقتصادية الصادرة عن المنتدى الاقتصادي العالمي ومؤسسات مالية دولية أن الفضاء قد يمثل المرحلة التالية من التحول الاقتصادي العالمي.
فالذكاء الاصطناعي يعتمد على تدفقات هائلة من البيانات، وتأتي نسبة متزايدة منها عبر الأقمار الصناعية وشبكات الاتصالات الفضائية وأنظمة الاستشعار المنتشرة حول العالم.
ومع تزايد الاعتماد على الاقتصاد الرقمي، تصبح السيطرة على البنية التحتية الفضائية عاملا مؤثرا في تحديد موازين القوة الاقتصادية والتكنولوجية مستقبلا.
ولهذا لم يعد السؤال ما إذا كان اقتصاد الفضاء سينمو، بل من سيقود هذا النمو: الحكومات أم الشركات الخاصة؟ ومن ستكون له اليد العليا في اقتصاد يتجه تدريجيا نحو تريليونات الدولارات؟ وقد يصبح أحد أهم محركات النمو العالمي خلال العقود المقبلة.
Source link
الجزائر Algerie 48 أول شبكة مراسلين جزائرية مستقلة