العدوان أعاد تشكيل الواقع الفلسطيني وكشف أزمة النظام الدولي

ح.م
تعبيرية
أكد المركز الفلسطيني للدراسات السياسية أن مرور نحو ألف يوم على الحرب المستمرة على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023 يمثل محطة مفصلية لفهم التحولات العميقة التي أصابت القضية الفلسطينية، مشيرا إلى أن الحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل تحولت إلى عملية واسعة غيّرت ملامح المجتمع الفلسطيني، وأحدثت انهياراً غير مسبوق في مقومات الحياة، كما وضعت منظومة القانون الدولي والنظام العالمي أمام اختبار غير مسبوق.
وأوضح المركز، في دراسة تحليلية بعنوان “ألف يوم على الحرب على غزة… تحولات الإبادة وإعادة تشكيل الواقع الفلسطيني والنظام الدولي”، أعدها الباحث أحمد أبو كميل، أن التداعيات تجاوزت حدود الدمار المادي والخسائر البشرية، لتطال البنية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الفلسطينية، في وقت فرضت فيه الحرب نفسها على أجندة الرأي العام العالمي، وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول فاعلية المؤسسات الدولية في حماية المدنيين وإنفاذ القانون الدولي.
انهيار شامل في مقومات الحياة
ورصدت الدراسة، استناداً إلى بيانات الأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي، صورة قاتمة للأوضاع الإنسانية في قطاع غزة، مؤكدة أن أكثر من 60 بالمائة من السكان فقدوا منازلهم أو تعرضت مساكنهم للتدمير أو لأضرار جسيمة، فيما نزح ما يقارب 1.9 مليون فلسطيني مرات متعددة داخل القطاع نتيجة العمليات العسكرية المتواصلة.
وأضافت أن الحرب أسفرت عن تدمير أو تضرر أكثر من 371 ألف وحدة سكنية، بينما خرج أكثر من نصف المرافق الصحية عن الخدمة، وتعرضت غالبية المدارس والمنشآت التعليمية للتدمير أو لأضرار كبيرة، الأمر الذي أدى إلى تعطيل العملية التعليمية وانهيار الخدمات الأساسية.
كما أشارت الدراسة إلى أن اقتصاد غزة فقد نحو 84 بالمائة من حجمه، في واحدة من أكبر حالات الانكماش الاقتصادي المسجلة في مناطق النزاعات، لافتة إلى أن الأمم المتحدة تقدر تكلفة إعادة الإعمار والتعافي بحوالي 71.4 مليار دولار خلال السنوات العشر المقبلة، منها أكثر من 26 مليار دولار لإعادة تشغيل الخدمات الأساسية في المرحلة الأولى.
وأكد المركز أن هذه الأرقام لا تعكس فقط حجم الخسائر المادية، بل تشير إلى انهيار منظومة التنمية البشرية، حيث تراجعت مؤشرات التنمية في قطاع غزة بما يعادل أكثر من سبعين عاماً، في ظل تفشي الفقر وانعدام الأمن الغذائي والمائي واعتماد غالبية السكان على مساعدات إنسانية محدودة.
تحولات اجتماعية وسياسية عميقة
واعتبرت الدراسة أن الحرب أعادت تشكيل المجتمع الفلسطيني بصورة غير مسبوقة، بعدما أدى النزوح الواسع إلى تفكك البنية الاجتماعية التقليدية، وتشتيت آلاف الأسر بين مراكز الإيواء والمناطق المختلفة، ما أضعف شبكات التضامن العائلية والمجتمعية التي شكلت لعقود أحد أهم عناصر الصمود الفلسطيني.
كما رصدت انتقال الأولويات اليومية للسكان من الانشغال بالشأن السياسي إلى البحث عن الغذاء والمياه والمأوى، وهو ما وصفته الدراسة بـ”سياسات البقاء”، حيث أصبحت تلبية الاحتياجات الأساسية تتقدم على أي اعتبارات أخرى.
وأشارت كذلك إلى أن الحرب عمقت الانقسام القائم بين الضفة الغربية وقطاع غزة، ليس فقط على المستوى السياسي، وإنما أيضاً من حيث طبيعة الحياة اليومية والواقع الاقتصادي والإداري، ما جعل إعادة توحيد النظام السياسي الفلسطيني أكثر تعقيداً في المرحلة المقبلة.
وفي الوقت نفسه، لفتت الدراسة إلى بروز شبكات محلية ومبادرات أهلية لإدارة توزيع المساعدات وتوفير الخدمات الأساسية، في ظل تراجع قدرة المؤسسات الرسمية على إدارة الواقع داخل القطاع، الأمر الذي أفرز أشكالاً جديدة من الإدارة المحلية المرتبطة بإدارة الأزمة.
القضية الفلسطينية تستعيد حضورها العالمي
وعلى الصعيد الدولي، أكدت الدراسة أن الحرب أعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة النقاش العالمي، حيث شهدت الجامعات الأوروبية والأمريكية حركات طلابية واسعة، إلى جانب مظاهرات شعبية غير مسبوقة في العديد من العواصم الغربية دعماً للفلسطينيين.
وأضافت أن القضية لم تعد تُطرح فقط باعتبارها نزاعاً سياسياً، بل تحولت إلى قضية أخلاقية وإنسانية ترتبط بمفاهيم العدالة وحقوق الإنسان وحماية المدنيين، وهو ما وسع دائرة الاهتمام بها داخل الأوساط الأكاديمية والحقوقية والإعلامية.
وفي المقابل، رصدت الدراسة اتساع الفجوة بين المواقف الرسمية لعدد من الحكومات الغربية، التي واصلت دعمها السياسي والعسكري لإسرائيل، وبين تنامي التعاطف الشعبي مع الفلسطينيين، الأمر الذي أثار نقاشات واسعة حول ازدواجية المعايير في التعامل مع الأزمات الدولية.
النظام الدولي أمام أزمة غير مسبوقة
واعتبر المركز الفلسطيني للدراسات السياسية أن الحرب كشفت أزمة عميقة في بنية النظام الدولي، بعدما عجز مجلس الأمن عن فرض وقف دائم لإطلاق النار، وظلت قراراته رهينة الانقسامات السياسية واستخدام حق النقض.
كما أشارت الدراسة إلى أن تحركات محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية تمثل تطوراً قانونياً مهماً، لكنها بقيت محدودة الأثر على الأرض بسبب غياب آليات تنفيذ ملزمة، وهو ما عمق الفجوة بين النصوص القانونية والواقع الميداني.
وأضافت أن هذه التطورات أدت إلى تراجع ثقة قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي في قدرة المؤسسات الدولية على حماية المدنيين، وأعادت طرح تساؤلات حول مستقبل منظومة القانون الدولي الإنساني في النزاعات المسلحة.
ثلاثة سيناريوهات لمستقبل غزة
وفي استشرافها للمرحلة المقبلة، طرحت الدراسة ثلاثة مسارات رئيسية، يتمثل الأول في استمرار حالة الاستنزاف من خلال حرب منخفضة الحدة دون حسم سياسي، بينما يقوم الثاني على تثبيت وقف هش لإطلاق النار يبقي جذور الأزمة قائمة، أما السيناريو الثالث فيتعلق بإعادة صياغة الوضع السياسي والإداري في قطاع غزة ضمن ترتيبات تشارك فيها أطراف فلسطينية وإقليمية ودولية.
ورجحت الدراسة أن يبقى تحديد المسار النهائي مرتبطاً بتوازنات القوى الإقليمية والدولية أكثر من ارتباطه بالتطورات الميدانية داخل القطاع.
توصيات لإدارة مرحلة ما بعد الحرب
ودعا المركز الفلسطيني للدراسات السياسية إلى بلورة رؤية فلسطينية موحدة لمرحلة ما بعد الحرب، وتعزيز التوافق الوطني، وتوحيد الجهد القانوني أمام المحاكم الدولية، إلى جانب تطوير الخطاب الإعلامي الفلسطيني ليعتمد على البيانات والأرقام والتوثيق المهني، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية موحدة للأضرار والانتهاكات، ودعم برامج التعافي النفسي والاجتماعي وإعادة بناء النسيج المجتمعي في قطاع غزة.
وأكدت الدراسة في ختامها أن ألف يوم من الحرب لم تغير واقع قطاع غزة فحسب، بل أعادت تشكيل القضية الفلسطينية في بعدها السياسي والإنساني، ووضعت النظام الدولي أمام اختبار تاريخي بشأن قدرته على حماية المدنيين وإنفاذ قواعد القانون الدولي، معتبرة أن تداعيات هذه الحرب ستظل مؤثرة لسنوات طويلة على المستويات الفلسطينية والإقليمية والدولية.
Source link
الجزائر Algerie 48 أول شبكة مراسلين جزائرية مستقلة