كازينو سول.. كيف تحولت سوق الأسهم الكورية الجنوبية إلى صالة قمار؟ | اقتصاد

كازينو سول.. كيف تحولت سوق الأسهم الكورية الجنوبية إلى صالة قمار؟ | اقتصاد

بعد عقود من الركود، أصبحت سوق الأسهم الكورية الجنوبية إحدى أكثر أسواق العالم نموا وخطرا في الوقت نفسه، بسبب استحداث الحكومة أنواعا من الصناديق تجعل صغار المستثمرين هم الأكثر تحملا لأي خسارة محتملة.

 

فقبل عامين اثنين فقط، لم تكن سوق الأسهم الكورية الجنوبية تحظى باهتمام أحد كونه كان حكراً على بعض التكتلات العائلية التي تمتلك أسهم شركات عملاقة مثل سامسونغ وهيونداي وإل جي.

كما لم يكن الإقبال على هذه السوق كبيرا بسبب ضعف عوائد صغار المستثمرين ورغبة الشركات في الاحتفاظ بالسيولة المالية، بدلا من شراء الأسهم أو توزيع الأرباح، حسب ما جاء في حلقة 2027/7/21 من برنامج “المخبر الاقتصادي”، والتي يمكنكم مشاهدتها كاملة على هذا الرابط.

لكن قيمة هذا السوق قفزت بنحو 4 أضعاف بين أبريل/نيسان 2025 ويونيو/حزيران 2026، بسبب عوامل من بينها إقبال المستثمرين الأفراد على شراء الأسهم، وخصوصا المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وفي مقدمتها سامسونغ وإس كيه هاينكس.

ولم يكن الإقبال حكرا على المتمرسين في هذا النوع من الاستثمار، وإنما شمل قطاعات كبيرة من الكوريين بما في ذلك الأطفال الذين بدأ ذووهم فتح حسابات لهم في شركات الوساطة.

ويتمتع الكوريون بالمخاطرة والرغبة في الثراء السريع هو ما يدفعهم للمجازفة باستثمارات شديدة الخطورة إلى درجة قد تأتي على مدخراتهم وربما تحدث كارثة للسوق وللحكومة التي تعيش خوفا كبيرا حاليا بسبب شعورها بالمسؤولية عن جنون الاستثمار في الأسهم.

كازينو سول.. كيف تحولت سوق الأسهم الكورية الجنوبية إلى صالة قمار؟ | اقتصاد
سهم إنفيديا هو الأكثر استحواذا على تدفقات المستثمرين (شترستوك)

كيف حدث التحول؟

ما حدث وفقا للمخبر الاقتصادي، أن الرئيس الكوري الجنوبي الحالي لي غاي ميونغ، كان قد تعهد خلال حملته الانتخابية برفع سوق الأسهم المحلية إلى 5 آلاف نقطة، وهو ما عرف بـ”كوسبي 5000″.

والسبب في ذلك أن مؤشر “كوسبي” الرئيسي في كوريا الجنوبية، كان محل سخرية بسبب ضعفه المزمن حيث بلغ 2070 نقطة في عام 2011، وبعد 14 عاما، أي في 2025، لم يكن قد تجاوز 2400 نقطة.

في نظر كثيرين، لم يكن كلام لي غاي ميونغ أكثر من وعود انتخابية لا يمكن تحقيقها بسبب عوامل عديدة على رأسها “خصم كوريا”، الذي يعني تداول الأسهم الكورية بقيمة أقل من قيمتها الدفترية الحقيقية، مقارنة بنظيرتها العالمية رغم أنها تمتلك نفس القيمة التكنولوجية.

لكن الرئيس الكوري، وبعد أسبوع واحد من تنصيبه، وتحديدا في 11 يونيو/حزيران 2025، زار لجنة مراقبة سوق الأوراق المالية واجتمع بموظفيها لبحث القضاء على المعاملات غير العادلة في السوق، وطلب منهم تقديم أي فكرة يمكنها الوصول بمؤشر كوسبي إلى 5 آلاف نقطة.

A man walks past in front of an electronic screen showing South Korea's benchmark stock index (KOSPI) at the Korea Exchange in Seoul on March 3, 2026.
مؤشر كوسبي الكوري الجنوبي حقق صعودا تاريخيا في أقل من عامين (الفرنسية)

ولإصلاح هذا الخلل، أعلن لي غاي ميونغ، في يونيو/حزيران 2025، عن إصلاح لخفض الضرائب على توزيعات الأرباح المرتفعة لتشجيع الشركات على توزيع العوائد على المستثمرين.

وفي يوليو/تموز من العام نفسه، أجرت سول واحدة من أكبر المراجعات التاريخية في قانونها التجاري وتحديدا المادة 382/3 التي جعلت ولاء مجلس الإدارة يتجه نحو المستثمرين وليس الشركة فقط كما كان في السابق.

وهكذا، تدفقت الاستثمارات الداخلية والخارجية التي صعدت بمؤشر كوسبي إلى 4 آلاف نقطة لأول مرة في تاريخه في أواخر أكتوبر/تشرين الأول 2025، مدفوعا أيضا بالإقبال الكبير على الاستثمار في الذكاء الاصطناعي.

خلال السنوات الأخيرة أصبحت شركات الذكاء الاصطناعي جاذبة لكثير من المستثمرين، حيث أصبح سهم شركة “إنفيديا”، التي تنتج المعالجات الأكثر تطورا في العالم، واحدا من أفضل وأكبر الأسهم أداء عالميا.

ففي عام 2024، تجاوزت القيمة السوقية لإنفيديا حاجز التريليوني دولار ثم 3 تريليونات بعد أشهر قليلة ثم 5 تريليونات في عام 2025، وهو ما عزز تفاؤل المستثمرين بهذا السهم.

وإلى جانب تفاؤل المستثمرين بمستقبل إنفيديا، لعبت الأرباح القياسية التي حققتها الشركة عام 2025، دورا كبيرا في هذا النمو بسبب حجم الطلب العالمي على منتجاتها المتطورة من معالجات الذكاء الاصطناعي.

SEOUL, SOUTH KOREA - MARCH 05: A currency dealer works in front of a monitors at South Korea's benchmark stock index (KOSPI) in a foreign exchange dealing room at the Hana Bank headquarters on March 05, 2026 in Seoul, South Korea. The latest flare-up in the Iran conflict has hammered export‑reliant markets in South Korea and Japan, knocking benchmark indexes sharply lower on fears that surging energy costs and a prolonged hit to risk appetite could undercut corporate earnings and growth across Asia's trade‑driven economies. (Photo by Han Myung-Gu/Getty Images)
شركات الذكاء الاصطناعي دفعت جذبت استثمارات بمليارات الدولارات خلال فترة وجية (غيتي إيميجز)

قادة التحول

الأمر نفسه ينطبق على اثنتين من أهم شركات التكنولوجيا الكورية الجنوبية، هما سامسونغ وإس كيه هاينكس (إنفيديا إيس) التي تُعد من أكبر مصنعي الرقائق في العالم، وهي الأولى في صناعة ذاكرة النطاق الترددي العالي (إتش بي إم) التي تسيطر على 57% من سوقها العالمية ما دفعها لتحقيق أعلى مكاسب في تاريخها العام الماضي.

ففي أكتوبر/تشرين الأول 2025، أعلنت الشركة عن بيع كل طاقتها الإنتاجية من الـ”إتش بي إم” والـ”دي رام” و”الناند”، لعام 2026، وبالمثل أعلنت سامسونغ عن بيع كل طاقتها الإنتاجية المخططة لعام 2026 من “إتش بي إم” بشكل مسبق.

وبسبب هذا الأداء المتميز، تدافع المستثمرون الأفراد على شراء أسهم الشركتين مما دفع كوسبي لتجاوز 4 آلاف نقطة، رغم بقاء السوق الكورية الجنوبية أقل بكثير من إمكانياتها الحقيقية وذلك بسبب توجه كثير من الكوريين للاستثمار في الأسواق الخارجية وخصوصا الأمريكية التي تجاوزت مشترياتهم فيها 73.6 مليار دولار عام 2025 (من أصل استثمارات في الأسهم خارجية تقدر بـ220 مليار دولار).

ولجذب هذه الأموال الطائلة، أعلنت حكومة سول في ديسمبر/كانون الأول الماضي عن مبادرة “حساب إعادة الاستثمار المحلي”، التي تقوم على منح إعفاءات ضريبية تصل إلى 50 مليون وون كوري (نحو 34 ألف دولار)، إذا التزم المستثمر بالشروط التالية:

  • بيع أسهمه في الأسواق الخارجية.
  • تحويل قيمتها إلى عملة محلية “الوون”.
  • شراء أسهم كورية بهذه التحويلات والاحتفاظ بها لمدة عام كامل على الأقل.

ومع بدء تنفيذ المبادرة في مارس/آذار الماضي، ذهب المستثمرون الذين باعوا أسهمهم الخارجية لشراء أسهم “إس كيه هاينكس” و”سامسونغ”، مما حقق صعودا كبيرا في قيمة الشركتين.

فقد صعدت قيمة سهم إنفيديا من 677 ألف وون (نحو 460 دولارا) في بداية العام إلى 1.286 مليون وون (نحو 870 دولارا) بحلول مايو/أيار، فيما صعد سهم سامسونغ من 128.500 وون (نحو 87 دولارا) إلى 220.500 وون (نحو 150 دولارا) بحلول أبريل/نيسان الماضي.

A currency trader reacts as he works at the foreign exchange dealing room of the Korea Exchange Bank headquarters in Seoul, South Korea, Friday, July 11, 2014. Asian stock markets were muted Friday, following the lead of Wall Street traders spooked by worries about the soundness of a bank in Portugal that raised the specter of more financial turmoil in Europe. South Korea's benchmark Kospi dropped 0.70 percent at 1,988.74.( AP Photo/Ahn Young-joon).
“إس كيه هاينكس” أكبر سجلت تراجع خلال 20 عاما في مايو/أيار 2025(أسوشيتد برس- رشيف)

نتائج كبيرة سريعة

هذا الصعود زاد من إقبال المستثمرين على الشركتين اللتين تمثلان أكثر من نصف قيمة السوق الكورية الجنوبية، التي وصلت إلى 7 آلاف نقطة في مايو/أيار الماضي.

لكن الخطر يكمن في أن المستثمرين يشترون على أساس سمعة السهم ومكاسبه دون فهم لطريقة عمل سوق الأسهم أو النظر إلى متانة الشركة التي يستثمرون بها، ووصل الأمر إلى قيام البعض بالاقتراض بالهامش أو استخدام رافعة مالية (أي المتاجرة بأموال الآخرين)، وهو ما يحمل بين طياته مخاطر كبيرة.

فقد وصلت كل شركات الوساطة لحدود الاقتراض القصوى بسبب اعتماد صغار المستثمرين عليها، بعدما رأى جزء كبير من الكوريين في شراء الأسهم طريقا سهلا لتحقيق مكاسب كبيرة.

الغريب أن الحكومة كانت تهدف من هذه الخطة إلى إبعاد المواطنين عن شراء العقارات التي كانت تمثل أكبر قنوات الاستثمار المحلي حتى وصلت أسعار العقارات لأرقام فلكية العام الماضي (متوسط سعر الشقة مليون دولار).

بيد أن المستثمرين اعتمدوا على مكاسب الأسهم لشراء العقارات، وهو ما دفع الحكومة لاتخاذ خطوة للحد من جنون السوق عبر إتاحة ما يعرف بصناديق الاستثمار المتداولة (التي تضم سلة أسهم)، مما ألحق خسائر كبيرة بمشتري الأسهم.

A currency dealer, wearing a mask to prevent contracting the coronavirus, looks at electronic boards showing the Korea Composite Stock Price Index (KOSPI) and exchange rate between the U.S. dollar and South Korean won, at a dealing room of a bank in Seoul, South Korea, March 13, 2020. REUTERS/Kim Hong-Ji
مؤشر كوسبي يمثل مخاطرة كبيرة للمستثمرين الأفراد (رويترز)

تراجع مفاجئ

ففي 13 مايو/أيار الماضي، سجلت أسهم “إس كيه هاينكس” أكبر تراجع خلال 20 عاما بعدما انخفض سهمها بأكثر من 15%، مما دفعها لبيع ما قيمته 5 مليارات دولار من أسهمها حتى تتمكن من إعادة ضبط رافعتها المالية.

وبما أن صناديق الاستثمار وشركات الوساطة تحصل على عمولتها بغض النظر عن اتجاه السوق، فقد تحمل المستثمرون الأفراد كل هذه الخسائر، وهو ما دفع رئيس هيئة الرقابة المالية الكورية الجنوبية لي تشانغ جين، للقول إنه يخشى أن يتحول السوق إلى صالة قمار، لا رابح فيها إلا الكازينو.

ولم يقف تشانغ جين عند هذا التصريح، لكنه ذهب لإعلان ندمه على إتاحة هذه الصناديق التي قال إن ضحاياها كانوا أبناء الطبقة المتوسطة والعاملة الذين يمثلون معظم المستثمرين في البلاد، وهو ما دفع الحكومة لوقف إصدار المزيد من هذه الصناديق لحين استقرار السوق.

 

 


Source link

عن عبد الله

المؤسس و الرئيس التنفيذي لموقع الجزائر 48

شاهد أيضاً

حظك اليوم.. كيف تخدعك الأبراج وتوقعات العرافين تحت تأثير “بارنوم”؟ | أسلوب حياة

حظك اليوم.. كيف تخدعك الأبراج وتوقعات العرافين تحت تأثير “بارنوم”؟ | أسلوب حياة

يميل كثيرون إلى تصفح توقعات الأبراج مع بداية يومهم، بحثا عن رسالة تبعث على الطمأنينة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *