يصادف اليوم مرور ستة أشهر على قيام قوات الأمن بقتل آلاف المحتجين خلال يومين في يناير/كانون الثاني. وداخل إيران، ترسخت رواية النظام عن الجنود “الشهداء” والخلايا الإرهابية المدعومة من الخارج لتصبح العقيدة الرسمية غير القابلة للطعن. وفي الوقت نفسه، يقبع عشرات السجناء المرتبطين بالاحتجاجات تحت أحكام بالإعدام.
وفي هذا العدد أيضًا: كيف فاقمت الحرب التي بدأت في فبراير/شباط حملة القمع، وأين وصلت جهود المساءلة الدولية بعد مرور ستة أشهر.
اطلعوا على المزيد أدناه، وشاركوني آراءكم وتحليلاتكم وتوقعاتكم عبر البريد الإلكتروني: [email protected]
وإذا وصلتكم نشرة إيران منMBN عبر إعادة توجيه، فيرجى الاشتراك بها. ويمكنكم قراءتي بالإنجليزية هنا، أو عبر موقعي MBN الإخباريين باللغة العربية واللغة الإنجليزية.
اقتباس الأسبوع
بعد ستة أشهر على قيام قوات الأمن الإيرانية بقتل آلاف الرجال والنساء والأطفال بصورة غير قانونية في أنحاء البلاد خلال فترة لم تتجاوز يومين، لا يوجد ما يبرر فشل المجتمع الدولي في اتخاذ إجراءات ذات مغزى لملاحقة المسؤولين وتحقيق العدالة الدولية.
— ديانا الطحاوي، نائبة المدير الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية.
أبرز الأخبار
مرور نصف عام على المجازر
عندما أشرقت شمس صباح الخميس 8 يناير/كانون الثاني، كانت إيران تدخل اليوم الثاني عشر من الاحتجاجات التي انتشرت في أنحاء البلاد بعد إضراب بدأه أصحاب المتاجر في طهران يوم 28 ديسمبر/كانون الأول. وبحلول المساء، كان آلاف الإيرانيين من مختلف فئات المجتمع قد سقطوا قتلى في مجزرة نفذتها قوات الدولة.
وكما ذكرت آنذاك في هذه النشرة، علّق طبيب إيراني كان يعالج المصابين الوافدين إلى المستشفى قائلاً: “كان الأمر كما لو أن أوامر صدرت: استخدموا الذخيرة الحية الآن.”
وبعد أيام من المجازر، نشر الرئيس الأميركي دونالد ترامب على منصة تروث سوشيال:
“أيها الوطنيون الإيرانيون، واصلوا الاحتجاجات — سيطروا على مؤسساتكم!!! احتفظوا بأسماء القتلة والمنتهكين. سيدفعون ثمنًا باهظًا. لقد ألغيت جميع الاجتماعات مع المسؤولين الإيرانيين حتى يتوقف القتل العبثي للمتظاهرين. المساعدة في الطريق” .
وبعد مرور ستة أشهر، وبينما ينشغل العالم بحركة السفن في مضيق هرمز وبمراسم التشييع الضخمة التي استمرت أسبوعًا للمرشد الأعلى الراحل علي خامنئي، لا تزال آثار ما جرى خلال هذين اليومين تلقي بظلالها على مختلف شرائح المجتمع الإيراني.

مغني الراب الإيراني الراحل آريا هنرمند، الذي قتله النظام في 8 يناير/كانون الثاني. والكلمة الظاهرة فوقه هي “الحرية”.
حصيلة الضحايا
في أوائل كانون الثاني، وقبل أيام من المجازر، دعا خامنئي إلى “إلزام المحتجين حدّهم “. وتصف منظمات حقوقية ما جرى بأنه تصعيد منسّق في استخدام القوة القاتلة بدأ في 8 يناير، حيث انتشرت قوات الأمن فوق أسطح المباني وفي الشوارع، وأطلقت النار على المحتجين مستهدفة رؤوسهم وصدورهم عمدًا، بينما تسببت بنادق الخرطوش المعدنية في إصابات واسعة بالرأس والعينين وثقتها الطواقم الطبية التي عالجت الجرحى.
ويصف أحد التقارير سياسة النظام في استهداف العيون على النحو التالي:
“أصبح استهداف المحتجين بطريقة تسبب العمى منتشرًا على نطاق واسع، رغم إنكار السلطات له، ويُنفذ باستخدام أسلحة توصف بأنها «غير قاتلة».”
وقد مارست قوات الأمن الإيرانية هذا الأسلوب منذ سنوات. ففي عام 2023، نشرت الأكاديمية الأميركية لطب العيون مقالًا أوضح أن الشرطة استخدمت “أسلحة تطلق كرات طلاء لتحديد وجوه المحتجين بغرض التعرف عليهم واعتقالهم لاحقًا. كما أن الرصاص المعدني المجوف يتمدد عند الاصطدام، ما يضمن إحداث أكبر قدر ممكن من الضرر في محجر العين والأنسجة الرخوة… وتشمل الإصابات تمزق شبكية العين وثقب القزحية.”
وبعد مرور ستة أشهر، لا يوجد رقم متفق عليه لعدد القتلى خلال ليلتي 8 و9 يناير/كانون الثاني. ووفقًا لإحصاءات المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، بلغ إجمالي القتلى 3117 شخصًا، صُنّف منهم 2427 على أنهم “شهداء”، بمن فيهم مدنيون وعناصر من قوات الأمن. كما ضمت قائمة منفصلة أصدرها مكتب الرئيس 2986 اسمًا.
وبالطبع، لم تقتصر عمليات القتل على هذين اليومين، كما واجهت الجهود المستقلة لإحصاء الضحايا خلال فترة الاحتجاجات العقبات المعتادة من التضليل الرسمي والمماطلة، إضافة إلى الانقطاع الشامل للإنترنت على مستوى البلاد.
ورغم ذلك، بذل مراقبون مستقلون جهودًا كبيرة لتوثيق الضحايا، وجاءت تقديراتهم أعلى بكثير من الأرقام الرسمية. فقد وثق أحد مشاريع الرصد أكثر من 7000 حالة وفاة مؤكدة، مع بقاء نحو 12 ألف حالة إضافية قيد المراجعة. وأكد معدّو التقرير أن هذه الأرقام تمثل الحد الأدنى وليس الحد الأقصى، بالنظر إلى ظروف التعتيم التي جُمعت خلالها البيانات.
واستندت المقررة الخاصة للأمم المتحدة ماي ساتو إلى معلومات من مصادر طبية داخل إيران لتقدير عدد القتلى بما يتراوح بين خمسة آلاف وعشرين ألفًا. كما قدّرت الحكومة البريطانية رسميًا العدد بما بين 12 ألفًا و20 ألف قتيل. أما إذاعة راديو فردا التابعة لـ إذاعة أوروبا الحرة/راديو الحرية فنقلت عن بعض المصادر أن عدد قتلى اليومين وحدهما ربما وصل إلى 30 ألف شخص. وذهبت إحدى التقديرات الصحفية إلى أن أقل من وفاة واحدة من كل عشر وفيات قد تُسجل رسميًا في نهاية المطاف.
كيف يتعامل النظام مع هذه الأحداث؟
كُرسّت الرواية الرسمية المحلية خلال أيام قليلة، ولم تتغير كثيرًا منذ ذلك الحين.
فقد وصفت التغطية الإعلامية المحلية عناصر الأمن القتلى بأنهم “شهداء” سقطوا في مواجهة حملة إرهابية على غرار تنظيم داعش، متحدثة عن عمليات قطع رؤوس وخسائر جماعية نفذتها خلايا مدربة في الخارج.
وذهب كبار المسؤولين العسكريين إلى أبعد من ذلك، إذ وصفوا الاضطرابات بأنها من تنفيذ خلايا منظمة مرتبطة بالموساد ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) ومندسّة بين المحتجين، وهو ادعاء تكرر في وسائل الإعلام الموالية للدولة باعتباره التفسير الرئيسي للعنف.
وزعم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، في مقابلة تلفزيونية، أن المحتجين قاموا بقطع رؤوس عناصر من قوات الأمن، مؤكدًا في الوقت نفسه أن من وصفهم بـ”مثيري الشغب” كانوا يتلقون أوامرهم من الولايات المتحدة وإسرائيل.
كما أعلن المدعي العام الإيراني أن جميع المحتجين سيُعتبرون محاربين لله (“محاربة”)، وهي تهمة تصل عقوبتها إلى الإعدام بموجب قوانين الجمهورية الإسلامية.
وفي وقت لاحق، نشرت الحكومة جدولًا يوضح عدد قتلى قوات الأمن حسب المحافظات، وفتحت بوابة إلكترونية تتيح لعائلات الضحايا الاعتراض على البيانات الواردة في قوائم القتلى الرسمية. إلا أن مراجعين مستقلين، استشهدت بهم إذاعة راديو فردا، أكدوا أن القائمة تضمنت أخطاء كثيرة وأسماء مكررة.
وكما ذكرت في هذه النشرة خلال شهر مارس/آذار، كانت وسائل الإعلام الرسمية تبث تسجيلات لـ”اعترافات” رجال أُعدموا بعد اتهامهم بقتل شرطيين اثنين خلال الاضطرابات.

صالح محمدي، مهدي قاسمي، وسعيد داودي أثناء محاكمتهم، وقد أُعدم الثلاثة في شهر مارس/آذار. منظمة حقوق الإنسان الإيرانية.
حقوق الإنسان في إيران بعد المجازر
اعتُقل عشرات الآلاف خلال الأسابيع التي أعقبت مجازر 8 و9 يناير/كانون الثاني. وأفادت منظمة هيومن رايتس ووتش بأن أكثر من ألف شخص اعتُقلوا خلال الأسبوع والنصف الأول فقط، بينهم أطفال لا تتجاوز أعمار بعضهم 14 عامًا. وفي وقت لاحق، ارتفعت التقديرات إلى أكثر من 50 ألف معتقل.
وداهمت قوات الأمن مستشفى واحدًا على الأقل، حيث اعتدت على الطواقم الطبية وحاولت اعتقال المحتجين الجرحى والاستيلاء على جثامين القتلى. كما بثّ التلفزيون الرسمي اعترافات قسرية، وأقر رئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون الحكومية بأن معظم من ظهروا في تلك الاعترافات هم من القاصرين.
كما تعرضت عائلات القتلى لضغوط لمنعها من إقامة مراسم عزاء علنية، فيما تحركت قوات الأمن لإفشال مراسم إحياء الذكرى الأربعين للضحايا في عدد من المدن.

روبينا أمينيان، طالبة أزياء تبلغ من العمر 23 عامًا، قالت عائلتها إنها أُطلقت عليها النار من مسافة قريبة في مؤخرة الرأس. CBS/Family of Rubina Aminian
ولم تكن عمليات القتل معزولة عن سجل الجمهورية الإسلامية الأوسع في مجال حقوق الإنسان. فقد نفذت البلاد أكثر من ألفي عملية إعدام خلال عام 2025 وحده، وهو أعلى رقم منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، وكانت نسبة كبيرة من الضحايا من النساء ومن الأقليات العرقية والدينية، بما في ذلك عدد من الرجال الأكراد الذين أُعدموا بتهم تتعلق بالتجسس لصالح إسرائيل.
سياق الحرب
أضافت الحرب التي بدأت في 28 فبراير/شباط أزمة ثانية إلى الأزمة الأولى. وقال صحفيون متخصصون في تحليل البيانات، كانوا يعملون على قوائم موثقة لضحايا يناير/كانون الثاني، إن انقطاع الإنترنت الذي استمر ثلاثة أشهر خلال الحرب أدى إلى تعطيل أو إبطاء جهود تحديد هوية الضحايا، وهي عملية كانت صعبة أصلًا بسبب الانقطاع الأول للاتصالات الذي رافق الاحتجاجات. وقد تسبب ذلك في تأخير التحقق من الأسماء والمهن وأماكن الإقامة لأشهر.
كما غيّرت الحرب أوضاع الأشخاص الذين كانوا محتجزين أصلًا على خلفية احتجاجات يناير/كانون الثاني. فقد استخدمت السلطات ظروف الحرب غطاءً لتسريع حملة القمع نفسها، إذ اعتقلت أكثر من ستة آلاف شخص منذ اندلاع الحرب، مع التعجيل بإجراءات القضايا التي قد تنتهي بعقوبة الإعدام بحق معارضين كانوا محتجزين بالفعل.
وأُُعدم في مارس/آذار ثلاثة شبان اعتُقلوا خلال احتجاجات يناير/كانون الثاني، من بينهم بطل وطني في المصارعة قال للمحكمة إن اعترافه انتُزع تحت التعذيب، وذلك بعد إدانتهم بتهم مرتبطة بمقتل عنصرين من قوات الأمن.
ويأتي ذلك ضمن نمط أوسع، إذ لا يزال ما لا يقل عن 78 محتجًا ومعارضًا يواجهون أحكامًا بالإعدام، بينهم 41 شخصًا على صلة مباشرة باحتجاجات يناير/كانون الثاني، وكان خمسة منهم أطفالًا وقت ارتكاب الجرائم المزعومة.
المساءلة والآفاق المستقبلية
جاءت استجابة الهيئات الدولية بطيئة. ففي 19 فبراير/شباط، أدرج الاتحاد الأوروبي الحرس الثوري الإيراني على قائمته للمنظمات الإرهابية. وتبعته خلال الأسابيع التالية مجموعة أوسع من الدول بإجراءات مماثلة، من بينها أوكرانيا، التي استندت في قرارها إلى حملة القمع داخل إيران إضافة إلى دعم طهران العسكري لروسيا عبر الطائرات المسيّرة، فضلًا عن مجموعة من الدول الأوروبية، منها ألبانيا والبوسنة والهرسك وآيسلندا وصربيا.
ولا تزال المملكة المتحدة تمثل استثناءً في هذا الملف. فرغم تعهد رئيس الوزراء كير ستارمر، في أبريل/نيسان، بحظر الحرس الثوري، فإن هذا التعهد — الذي جاء ردًا على إلقاء قنبلة حارقة على كنيس يهودي في لندن، وليس تحديدًا بسبب حملة القمع في إيران — لم يُنفذ حتى الآن.
أما نافذة المفاوضات الأميركية الإيرانية الممتدة 60 يومًا، والتي تستمر تقريبًا حتى منتصف أغسطس/آب، فتتناول العقوبات والملف النووي، لكنها لا تتطرق إطلاقًا إلى مسألة المساءلة عن انتهاكات حقوق الإنسان داخل إيران، كما لا تشير بنيتها إلى أي تحقيق مستقل في عمليات القتل التي وقعت خلال شهر يناير/كانون الثاني.
من كانوا؟
يقدم تحليل مقارن، استند إلى عينة من ضحايا يومي 8 و9 يناير/كانون الثاني، وجُمعت بياناته من أربعة مشاريع توثيق مستقلة بهدف استكمال المعلومات المتعلقة بالمهن، صورة أوضح عن هوية الذين قُتلوا.
ومن بين 432 شخصًا شملهم التحليل، تمكن الباحثون من تحديد المهن الخاصة بـ 308 منهم.
وضمت القائمة ميكانيكيين، ولحامين، وسائقي سيارات أجرة وسائقي تطبيقات النقل، وأصحاب متاجر، ورياضيين، وخبازين، وأصحاب صالونات تجميل، وكان عددهم يفوق بكثير عدد الأشخاص الذين كانوا يشغلون وظائف حكومية رسمية، والبالغ عددهم تسعة فقط.
وتراوحت أعمار الضحايا بين أطفال وامرأة تبلغ من العمر 73 عامًا.
وشكل القاصرون أكثر من 16 في المئة من إجمالي ضحايا اليومين، بينما توزعت الخسائر البشرية على مناطق امتدت من محافظتي أصفهان وطهران إلى مشهد وكرج.
وقد أنشأت كل من إذاعة أوروبا الحرة/راديو الحرية (RFE/RL) وهيئة الإذاعة البريطانية (BBC) مواقع إلكترونية موسعة تسلط الضوء على بعض الأسماء والوجوه التي تقف وراء هذه الأرقام.
Source link
الجزائر Algerie 48 أول شبكة مراسلين جزائرية مستقلة