
“لا يمكن أن أسامح. هذه ليست دولة. هذه دولة إرهابية. بلدنا احترق” هذه كلمات وليد الرجمة، الذي لا تفارق مخيلته ذكريات العنف التي شهدتها السويداء قبل عام بين القوات الحكومية ومسلحين دروز.
مرّ عام، ولا يزال المشهد ذاته يطارد وليد، إذ يشاهد تسجيلاً لإعدام شقيقه ميدانياً في قرية الثعلة بريف السويداء، على يد مسلحين سألوه عن طائفته وما إذا كان درزياً أم لا.
وبينما يستحضر مصير شقيقه، يتذكر أيضاً منزله الذي احترق، وكيف اضطر إلى النزوح، متمنياً العودة إليه، في حين لم تعد النجاة من الموت وحدها كافية، على حد تعبيره في حديثه إلى بي بي سي نيوز عربي.
عودة قيد الانتظار

حال وليد كحال عشرات الآلاف من العائلات الدرزية التي فرّت من منازلها خشية القتل. وبين هؤلاء سمية اليوسف، التي تقيم في عين الزمان، وهو مقام ديني درزي تحوّل إلى مركز إيواء مكتظ وسط مدينة السويداء، حيث تشكو من شح المساعدات وقسوة الظروف المعيشية.

وتؤكد السيدة المسنّة رغبتها في العودة إلى قريتها والاستقرار فيها مجدداً، حتى وإن تحولت إلى أنقاض، قائلة: “نريد الأمان لنعود. ألوم بعض أبناء بلدتي ممن هاجموا أبرياء داخل بيوتهم”.
تأتي هذه المعاناة بعد أحداث عنف دامية شهدتها السويداء جنوبي سوريا بين 13 و24 يوليو/تموز من العام الماضي، حين اندلع اقتتال بين عناصر من قوى الحكومة الانتقالية السورية، مدعومة بمقاتلين عشائريين، وفصائل درزية محلية.
“لماذا نحن هنا؟”

على الجانب الآخر، يكشف نزوح العشائر البدوية وجهاً آخر للأزمة. ففي مخيم المليحة، شرقي محافظة درعا، تفترش عائلاتٌ أرضاً زراعية بخيامٍ ممزقة، سمح لها صاحبها بالإقامة فيها بدلاً من زراعتها الموسم الماضي.
في إحدى هذه الخيام، يعيش مدرس للتربية الدينية يُدعى غالب الحمود مع أبنائه الثمانية، بعد أن فرّ من منزله تحت تهديد السلاح خلال تلك الأحداث. ويقول الحمود لبي بي سي نيوز عربي إن جميع البدو في المنطقة تعرّضوا لتهجير قسري، مشيراً إلى أن بعضهم قضى قهراً، عقب حصار فصائل درزية مسلحة لحي المقوس في 13 يوليو/تموز.
ويصف الظروف المعيشية قائلاً: “لا شيء يحمينا من حر الشمس، وقد مرّ علينا شتاء قاسٍ. نشتري مياه الشرب بأسعار مرتفعة، ولم تصِلنا أي مساعدات منذ أشهر”.
ويضيف أن أبناءه يطرحون أسئلة متكررة: لماذا نحن هنا؟ ومتى سنعود؟ ويقول إن أحدهم يسأله باستمرار: أين ألعابي وغرفة نومي؟ وأين أشجار زيتوننا؟ فيجيبه: سنعود يوماً ما إلى كل ذلك.

يبعد أقرب مستشفى عن تلك المخيمات نحو 15 كيلومتراً، فيما تسرب بعض الأطفال من التعليم بسبب صعوبة الوصول إلى المدارس عبر طرق موحلة شتاءً، إضافة إلى الأعباء المادية التي دفعت العائلات إلى تشغيل أطفالها مقابل أجور زهيدة. ويقول الحمود: “لا حول لنا ولا قوة هنا. أتمنى ألّا تتجاهل الحكومة معاناتنا”.
وفي جانب آخر من المخيم، تتجمع نساء يتشاركن قصص الفقد والقلق. تبحث إحداهن عن أي خيط يقودها إلى شقيقها المفقود، بينما تصف أخريات معاناتهن اليومية في محاولة تحويل الخيمة إلى ما يشبه المنزل. تقول إحداهن: “لم أُخلق لأعيش في خيمة. كان لديَّ منزل دافئ وجميل”.
ما الذي حصل في السويداء؟

تعود جذور أحداث السويداء إلى عملية خطف استهدفت تاجر خضار درزياً، أعقبتها عمليات خطف متبادلة، قبل أن تتطور إلى اشتباكات بين مسلحين دروز وآخرين من البدو السنّة، لتنخرط بعدها القوات الحكومية في العملية لفض الاشتباكات، وفق تصريحات رسمية.
وفي مرحلة لاحقة، تدخلت إسرائيل عبر استهداف مواقع عسكرية داخل سوريا، من بينها قصف مبنى الأركان في ساحة الأمويين بدمشق. وقال حينها رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إن إسرائيل “ملتزمة بمنع إلحاق الأذى بالدروز”.
وفي 17 يوليو/تموز من ذلك العام، ألقى الرئيس السوري الانتقالي، أحمد الشرع، كلمة متلفزة، اتهم فيها إسرائيل بالسعي إلى “تمزيق سوريا وتحويلها إلى ساحة فوضى غير منتهية”، متعهداً بالدفاع عن البلاد.
وخلال العام الماضي، توزعت السيطرة في المحافظة بين الحكومة الانتقالية، التي تسيطر على 36 قرية وبلدة في الريفين الغربي والشمالي، وقوات “الحرس الوطني” المدعومة من الشيخ حكمت الهجري، الزعيم الروحي لطائفة الموحدين الدروز، والتي تسيطر على نحو 80 في المئة من مساحة المحافظة، بما في ذلك المدينة وأجزاء واسعة من الريف.
ذكرى عام على أحداث العنف

ومع مرور عام على الأحداث، أطل الشيخ حكمت الهجري في تسجيل مصور تحدّث فيه عن مسارٍ تُسمّيه بعض الأطراف “مشروع الاستقلال”، مشيراً إلى احتمال أن تكون السويداء مستقبلاً تحت رعاية دولة أخرى. كما وجّه الشكر لإسرائيل على تدخلها العسكري خلال الأحداث.
في المقابل، أصدرت محافظة السويداء بياناً أكدت فيه أن ذكرى أحداث تمّوز تحمل وجعاً عميقاً في ذاكرة أبناء المحافظة والسوريين عموماً، بعد أن أودت بحياة مدنيين وخلّفت خسائر إنسانية ومادية واسعة.
تحرك حكومي لإنشاء مركز للمحافظة
تشهد منطقة الصورة الصغرى في الريف الشمالي للمحافظة تحركات لنقل بعض المؤسسات الحكومية إليها، على طريق دمشق–السويداء، في ظل تعذُّر العمل من مركز المدينة.
وقال المسؤول في محافظة السويداء، الدكتور طارق عدوان، لبي بي سي نيوز عربي إن الحكومة تعمل بالتعاون مع منظمات دولية على ترميم المنازل واستعادة الخدمات الأساسية، مشيراً إلى أن مجموعات خارجة عن القانون تعرقل عودة النازحين إلى مناطقهم. وأضاف أن الأولوية حالياً تتركز على إصلاح شبكات الكهرباء والمياه والمراكز الصحية وخدمات الدفاع المدني.

تقارير أممية وإجراءات قضائية
وثّقت لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا، في تقرير صدر في 27 مارس/آذار الماضي، مقتل نحو 1800 شخص، معظمهم من الدروز، ونزوح نحو 200 ألف آخرين. وأشارت إلى أن بعض الانتهاكات قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، مع وجود أنماط استهداف على أساس الهوية الدينية والعرقية، إضافة إلى النوع الاجتماعي والعمر.
وأشارت اللجنة إلى أن موجات العنف رافقتها إهانات طائفية موجهة إلى المدنيين الدروز والبدو.
من جهتها، أعلنت اللجنة الوطنية للتحقيق في أحداث السويداء، التي أنشأتها الحكومة السورية في 31 يوليو/تموز من العام الماضي، أن النيابة العامة العسكرية أحالت عدداً من المتهمين إلى قاضي التحقيق. وذكرت وزارة العدل أن محكمة الجنايات العسكرية في دمشق بدأت النظر في القضايا في جلسات علنية منذ مطلع يوليو/تموز 2026، بحضور المتهمين ووكلائهم، ووفق الضمانات القانونية المعتمدة. ولم تصدر حتى الآن أحكام نهائية في هذه القضايا.
هشاشة اجتماعية تحول دون العودة
رغم مرور عام، لا تزال العودة تواجه عقبات اجتماعية عميقة. فبحسب شهادات من الطرفين، الدروز والبدو، لم تُستعد الثقة التي تضررت خلال الأحداث، بعد عقود من التعايش المشترك الذي نظمته الأعراف والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية.
ويختتم غالب الحمود حديثه قائلاً: “علينا أن نطوي صفحة الماضي ونرأب الصدع. سوريا لكل السوريين، ونحن شركاء فيها. يجب أن نمد أيدينا للمصالحة، فكل من هُجّر من منزله كان مجبَراً”.
Source link
الجزائر Algerie 48 أول شبكة مراسلين جزائرية مستقلة
