سياسة دول أم مواقف حكام؟ تصاعد موجة اليمين يفتح الأبواب لإسرائيل | سياسة

سياسة دول أم مواقف حكام؟ تصاعد موجة اليمين يفتح الأبواب لإسرائيل | سياسة

قبل عامين بالتمام، وقف الرئيس الكولومبي السابق غوستافو بيترو ليقطع كل خيط دبلوماسي يربط بلاده بتل أبيب، واصفا حكومتها بأنها “ترتكب إبادة جماعية” في غزة. لكن هذا الصيف حمل مفارقة كبيرة، إذ صعد إلى القصر الرئاسي في بوغوتا حاكم يعد الإسرائيليين بسفارة جديدة في القدس، في الوقت الذي اتهم فيه بيترو نفسه، وهو لا يزال يجلس على كرسي الرئاسة المنتهية ولايته، إسرائيل بالتدخل لإسقاطه من السلطة عبر صناديق الاقتراع.

وفي سلوفينيا، تكرر المشهد تقريبا: حكومة يسارية اعترفت بدولة فلسطين وحظرت تجارة السلاح مع إسرائيل، فإذا بالحاكم الجديد اليميني يزيل العلم الفلسطيني عن مبنى الحكومة في ساعاته الأولى بالمنصب، ويعد بنقل السفارة إلى القدس، رغم أن رئيسة الجمهورية كانت ما تزال ترفع العلم الفلسطيني فوق القصر الرئاسي احتجاجا.

هذان النموذجان يعدان أحدث محطتين في موجة يمينية آخذة في الاتساع، تعيد فتح الأبواب أمام تل أبيب الواحد تلو الآخر في بلدان كانت حتى وقت قريب تتزعم فيها حكومات يسارية قطيعة صريحة مع إسرائيل. وهو ما يضعنا أمام ظاهرة أكبر حين توضع كولومبيا وسلوفينيا في سياق أوسع يضم بوليفيا وتشيلي والأرجنتين وهندوراس؛ وكلها انقلبت من موقع الخصومة مع إسرائيل إلى التحالف الوثيق معها.

وأمام هذه التحولات يُطرح تساؤل يقول: هل اكتفت إسرائيل بأن تستفيد من قطف ثمار تحولات داخلية بحتة، أو أنها كانت من سعى إلى سد الثغرات الدبلوماسية التي مُنيت بها أمام الحكومات والشعوب جراء عدوانها المستمر على غزة، عبر إسناد خفي لصعود هذه الموجة اليمينية تحديدا.

ويأتي هذا التساؤل في قلب لحظة إقليمية ودولية بالغة الاضطراب، تتشابك فيها جبهتان أعادتا تشكيل مواقف الحكومات والشعوب من إسرائيل في آن واحد؛ فمنذ العدوان الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، تحولت القضية الفلسطينية إلى قضية رأي عام عالمي دفعت أكثر من 150 دولة إلى الاعتراف بفلسطين، وأثقلت كاهل إسرائيل بعزلة دبلوماسية غير مسبوقة. ثم جاءت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في فبراير/شباط 2026 لتضاعف حالة عدم اليقين الإقليمي، وكأن إسرائيل، المحاصرة إقليميا ودوليا في جبهة، وجدت في جبهة أخرى بعيدة نافذة لتعويض بعض ما خسرته.

فهل هذه التقلبات الحادة تعكس تحولا حقيقيا في “إستراتيجية” هذه الدول، أم أنها لا تعدو كونها انعكاسا لأيديولوجيا شخص واحد يجلس على كرسي الحكم لفترة رئاسية أو اثنتين؟

سياسة دول أم مواقف حكام؟ تصاعد موجة اليمين يفتح الأبواب لإسرائيل | سياسة

موجة يمينية تتصاعد

في الواقع، لم تعد كولومبيا وسلوفينيا سوى الحلقتين الأحدث في سلسلة طويلة بدأت تتشكل ملامحها منذ أواخر 2025، حين بدأت صناديق الاقتراع، من أمريكا اللاتينية إلى أوروبا، تصدر حكما شبه متطابق: نهاية موجة يسارية عادت خلالها القضية الفلسطينية إلى صدارة الخطاب الرسمي، وصعود موجة يمينية معاكسة تسارع إلى محو ذلك الإرث بالكامل.

ويمكن إيجاز أبرز محطات هذه الموجة في أمريكا اللاتينية على النحو التالي:

  • بوليفيا: بعدما قطع الرئيس اليساري لويس آرسي العلاقات مع إسرائيل للمرة الثانية في 31 أكتوبر/تشرين الأول 2023 احتجاجا على حرب غزة، أنهت انتخابات 19 أكتوبر/تشرين الأول 2025 عقدين من حكم اليسار الاشتراكي بفوز يمين الوسط رودريغو باز؛ ولم يمض شهر على توليه السلطة حتى وقّع وزير خارجيته في واشنطن بيانا مع نظيره الإسرائيلي جدعون ساعر لاستئناف العلاقات الكاملة.
  • تشيلي: التي تحتضن أكبر جالية فلسطينية خارج العالم العربي بنحو نصف مليون شخص، كان رئيسها اليساري السابق غابرييل بوريتش قد سحب سفيره من تل أبيب عقب هجمات أكتوبر/تشرين الأول 2023. لكن فوز اليميني المتشدد خوسيه أنطونيو كاست بنسبة 58% من الأصوات في ديسمبر/كانون الأول 2025 أعاد فتح الملف؛ إذ عيّن بعد توليه السلطة الزعيم السابق للجالية اليهودية في تشيلي سفيرا لبلاده لدى إسرائيل، منهيا شغورا دبلوماسيا استمر 947 يوما.
  • هندوراس: تنافس على خلافة الرئيسة اليسارية شيومارا كاسترو مرشحان ينحدر كلاهما من أصول فلسطينية، لكن الحسم جاء لصالح اليميني ناصري “تيتو” عصفورة بفارق ضئيل لم يتجاوز 28 ألف صوت في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، ليتبنى فور توليه السلطة شراكة أمنية وتجارية وثيقة مع واشنطن وتل أبيب.
  • الأرجنتين: قدّمت النموذج الأكثر رمزية حين أدى رئيسها خافيير ميلي طقوسا دينية أمام حائط البراق في القدس المحتلة، معلنا إطلاق ما سمّتها بلاده “اتفاقيات إسحاق” لتوسيع نطاق اتفاقيات أبراهام إلى أمريكا اللاتينية.
  • كولومبيا: تبقى الاختبار الأكثر حدة لهذا النمط؛ ففي كولومبيا، حيث ظل بيترو حتى اللحظات الأخيرة من ولايته منخرطا في دعوى الإبادة الجماعية التي رفعتها جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية، جاء فوز اليميني أبيلاردو دي لا إسبرييلا في يونيو/حزيران 2026 بفارق لم يتجاوز 247 ألف صوت، ليطلق مسارا معاكسا تماما: لقاء بين وزيري خارجية البلدين في واشنطن، ثم إعلان نية نقل السفارة إلى القدس والانسحاب من الدعوى الدولية ذاتها.
  • سلوفينيا: كانت حكومة روبرت غولوب اليسارية قد اعترفت بفلسطين في يونيو/حزيران 2024 وفرضت أول حظر أوروبي شامل على تجارة السلاح مع إسرائيل، لكن انتخابات 22 مارس/آذار 2026 أطاحت بهذا الإرث خلال أيام معدودة من تسلم يانيز يانشا السلطة، حين أمر بإنزال العلم الفلسطيني عن مبنى الحكومة وأعلن نيته إلغاء الاعتراف بفلسطين ونقل السفارة إلى القدس.

هل لإسرائيل يد في صناعة هذه الانعطافات؟

يقول الأستاذ في كلية الدبلوماسية والعلاقات الدولية بجامعة سيتون هول الأمريكية بورناكا إل. دي سيلفا إنه لا أحد يملك دليلا قطعيا وثابتا على أن إسرائيل دبّرت أو وجّهت سرا موجة الانقلابات السياسية التي في الدول السابقة.

لكنه يستدرك -في تصريحات للجزيرة نت- بأن غياب الدليل العلني لا يعني غياب الأدلة بالكلية، لا سيما عند البحث بشكل أعمق في منظومات سرية ومثيرة للجدل من مجموعات المرتزقة السيبرانيين الإسرائيليين وشركات التضليل الإعلامي، التي تُدار بأيدي متخصصين سابقين في الجيش والاستخبارات والأمن السيبراني، وتبيع خدمات التلاعب بالانتخابات للحملات السياسية والحكومات الأجنبية -لا سيما تلك التي تتبنى أيديولوجيات يمينية وشعبوية.

ويحصر دي سيلفا أبرز هذه المنظومات التي كُشفت حتى الآن في 3 أنظمة:

  • فريق خورخي: يقدّم خدمات “عمليات سوداء” مصممة للتدخل سرا في الانتخابات دون ترك أثر، عبر إدارة آلاف الحسابات المزيفة على منصات التواصل الاجتماعي، وقد ادعى مسؤوله تورطه في عشرات الحملات الانتخابية الرئاسية حول العالم.
  • بلاك كور: شركة نفوذ وحرب معلومات تستخدم شبكات تضليل آلية “أسراب روبوتات” مدعومة بالذكاء الاصطناعي، وربطتها تحقيقات أوروبية بالتدخل في انتخابات محلية بفرنسا وأمريكا وأوروبا.
  • مجموعة “إن إس أو” (بيغاسوس): استخدمتها حكومات وأحزاب يمينية لاختراق هواتف صحفيين ومعارضين خلال فترات انتخابية حساسة، بحسب ما كشفته تحقيقات دولية.

وأضاف الأستاذ في كلية الدبلوماسية والعلاقات الدولية أن الأشهر الأخيرة شهدت تعزيزا لافتا للعلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية مع حكومة بنيامين نتنياهو من قِبل الحكومات اليمينية الجديدة تحديدا في كولومبيا وسلوفينيا وبوليفيا، وهو تزامن يرى أنه يستحق تحقيقا استقصائيا أعمق قبل الجزم بوجود تلاعب إسرائيلي منظم في مسار هذه الانتخابات لصالح عملاء يمينيين.

وبعيدا عن الأنظمة السابقة، يقدم رئيس جمعية أصدقاء الشعب الفلسطيني في مدريد بإسبانيا عيسى الصويص قراءة موازية أقرب إلى “الحرب الناعمة”، يرى فيها أن إسرائيل استغلت، عبر وسائل الإعلام التي تتحكم فيها والحملات الممنهجة على منصات التواصل الاجتماعي، الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة في هذه الدول -كصعوبة حصول الشباب على السكن- لتحميل اليسار مسؤولية الأزمات ودفع الناخبين نحو اليمين.

ويعزز رئيس الجمعية الفلسطينية في السلفادور سمعان خوري هذه القراءة من زاوية أكثر مؤسسية، إذ يرد جذور الظاهرة إلى نفوذ جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل تحديدا، لا سيما في الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية، معتبرا إياها عاملا لا يقل تأثيرا عن الانقسام الأيديولوجي بين اليمين واليسار، بل ربما أكثر تأثيرا منه في حسم مواقف بعض الحكومات.

التحولات الدبلوماسية كيف تغيّر الانتخابات علاقات الدول بإسرائيل؟

الاتجاه المعاكس.. من حضن إسرائيل إلى القطيعة

ولأن الظاهرة السابقة قائمة على التذبذب لا على اتجاه واحد، فإن السجل نفسه يكشف عن مسار معاكس تماما شهدته دول كانت تُصنَّف تاريخيا في خانة حلفاء إسرائيل، قبل أن تنقلب هذه العلاقة رأسا على عقب مع تغير قياداتها. وتقدّم إسبانيا والبرازيل هنا النموذجين الأكثر دلالة، حسب قراءة دي سيلفا والصويص معا.

ففي إسبانيا، يذكّر الصويص بأن أول اعتراف إسباني بدولة إسرائيل جاء أصلا من حكومة يسارية برئاسة فيليبي غونزاليس عام 1986، بينما ظل اليمين الإسباني التقليدي، حتى في بعض نسخه المتشددة، أقرب تاريخيا إلى القضية الفلسطينية. لكن هذا المسار بدأ بالانعكاس تدريجيا مع وصول اليميني خوسيه ماريا إلى الحكم عام 1996، وتعمّق أكثر بعد تفجيرات مدريد إبان حرب العراق حين استُثمرت خطابات “الإرهاب” لربطه بالقضية الفلسطينية.

واليوم، في مفارقة تعيد عقارب الساعة إلى نقطة قريبة من بدايتها، يقود بيدرو سانشيز إسبانيا لتصبح -حسب وصف دي سيلفا- “واحدة من أقوى المدافعين في أوروبا عن إقامة دولة فلسطينية”؛ إذ اعترفت مدريد رسميا بدولة فلسطين في مايو/أيار 2024، وألغت صفقات تسليح، وأقر برلمانها حظرا شاملا على تجارة السلاح مع إسرائيل، وهو تصعيد بلغ ذروته باتهام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لسانشيز بـ”التحريض على الإبادة الجماعية لليهود”.

وتقدّم البرازيل نموذجا مماثلا في حدته، وإن اختلف في تفاصيله؛ فبحسب دي سيلفا، أقام الرئيس اليميني السابق جايير بولسونارو علاقات وثيقة بشكل استثنائي مع إسرائيل شملت تعاونا أمنيا وتقاربا سياسيا قويا مع حكومة نتنياهو والليكود.

غير أن عودة الرئيس اليساري لولا دا سيلفا إلى السلطة قلبت هذا المسار بالكامل؛ إذ وجّهت البرازيل، في عهده، انتقادات أقوى بكثير لإسرائيل وللحرب على غزة مع التأكيد على الحقوق الفلسطينية وتجديد نشاطها ضمن دول الجنوب العالمي.

ويضيف الصويص أن عودة لولا دا سيلفا جاءت مدعومة بفضائح كشفت عن فترة حكم بولسونارو، لتمنح الرئيس اليساري -الداعم التاريخي الدائم للقضية الفلسطينية- زخما شعبيا إضافيا يعزز موقفه.

ويلاحظ دي سيلفا أن المؤسسة الدبلوماسية البرازيلية نفسها ظلت، عبر مختلف الإدارات، داعمة باستمرار لحل الدولتين، بصرف النظر عن حدة الخطاب الذي يتبناه كل رئيس على حدة.

Israeli Prime Minister Benjamin Netanyahu hugs Argentine President Javier Milei during a Plenum session of the Knesset, Israel's Parliament, in Jerusalem, June 11, 2025 REUTERS/Ronen Zvulun
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (يسار) يحتضن الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي خلال جلسة عامة في الكنيست (رويترز)

سياسة أشخاص أم سياسة دول؟

يبقى السؤال الأكثر جوهرية متعلقا بطبيعة هذا التذبذب نفسه: هل هو تعبير عن قناعات مؤسسية راسخة للدولة، أم مجرد بصمة شخصية يتركها حاكم بعينه ثم يمحوها من يخلفه؟ وهنا تتقاطع قراءات المحللين الثلاثة أكثر مما تتناقض، وإن اختلفت زاوية كل منهم في تفسير الحدود الفاصلة بين الاثنين.

يذهب عيسى الصويص إلى أبعد الآراء حسما، فيصف ما يحدث في دول مثل الأرجنتين وتشيلي وكولومبيا تحت حكم اليمين المتشدد بأنه ليس تعبيرا عن “سياسة دولة” بقدر ما هو “سياسة أشخاص” يتصرفون بمنطق فردي لا بعقلية مؤسساتية، ضمن ما يصفه بأنه تحالف يمثل “اتحاد القوة والمال” مع المشروع الصهيوني.

وفي المقابل، يذهب بورناكا دي سيلفا إلى تفسير أكثر بنيوية، حاصرا جذور الظاهرة في 4 عوامل تتجاوز شخص الحاكم:

  1. صعود جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل التي اخترقت، بفضل تمويل ضخم من أثرياء موالين لها، أعلى مستويات القرار في عدد من الديمقراطيات الغربية.
  2. تراجع “إجماع الحرب الباردة” الذي كانت تديره مؤسسات دبلوماسية محايدة بتوافق بين الأحزاب.
  3. تغير الرأي العام في عصر التواصل الاجتماعي، وتصاعد الضغط الشعبي على الحكومات.
  4. اختلاف تصور النظام الدولي بين حكومات تعطي الأولوية للعلاقات الثنائية وأخرى تعطيها للحوكمة العالمية عبر الأمم المتحدة والمحاكم الدولية.

ومن زاوية أكثر حذرا، يرفض سمعان خوري اختزال الظاهرة في ثنائية اليمين واليسار وحدها؛ فالقضية الفلسطينية، كما يراها، “أصبحت جزءا من الاستقطاب السياسي الداخلي” في عدد من الدول، لكن العامل الأكثر تأثيرا يبقى طبيعة المصالح الإستراتيجية والضغوط الدبلوماسية التي تتعرض لها الحكومات.

ولعل هذا ما يفسر، من وجهة نظره، لماذا لا تنقلب الدول بالكامل مهما اشتد الخطاب؛ إذ تظل قيود المصالح الاقتصادية والتعاون الدفاعي والالتزامات القانونية الدولية حاضرة بصرف النظر عن هوية من يجلس على كرسي الحكم.

وهذا ما يؤكده الأستاذ في كلية الدبلوماسية والعلاقات الدولية أيضا حين يخلص إلى أن “حدة الخطاب وتأثير الدعاية غالبا ما يكونان أكثر تقلبا من العلاقات الأساسية للدول مع إسرائيل”.

البرازيل وإسرائيل تذبذب علاقات تحركه صناديق الاقتراع

الناخب لا يصوّت لفلسطين وحدها

ورغم حدة هذه الانعطافات الرسمية، فإن صعود رئيس يميني أو يساري إلى الحكم لا يعني بالضرورة أن التحول في السياسة الخارجية يعكس انقلابا موازيا في وجدان الناخبين أمام صناديق الاقتراع؛ فالمسافة بين ما يقرره القصر الرئاسي وما يريده الشارع غالبا ما تكون شاسعة، وهذا ما يتفق عليه المحللون الثلاثة رغم اختلاف تفاصيل قراءاتهم.

فرئيس الجمعية الفلسطينية في السلفادور يضع القاعدة العامة لهذا التمييز: الناخب في هذه الدول “لا يصوّت عادة على أساس السياسة الخارجية وحدها”، بل تحكمه قضايا الاقتصاد والتضخم والبطالة والأمن والهجرة، وإن كانت الحرب على غزة قد “أصبحت عاملا مؤثرا في تشكيل الرأي العام، خاصة بين الشباب والجامعات ومنظمات المجتمع المدني”.

وتتحول هذه القراءة إلى تفاصيل أكثر تحديدا حين يتناول رئيس جمعية أصدقاء الشعب الفلسطيني في مدريد حالة الأرجنتين؛ فهو يرى أن فوز خافيير ميلي بالرئاسة لم يكن تصويتا على موقفه من إسرائيل، بل هروبا جماعيا من تضخم مالي خانق وأزمة معيشية حادة، أي أنه “تصويت اقتصادي وليس سياسيا بالضرورة”.

ويستدل الصويص بأن ما بين 60 و70% من الأرجنتينيين يدعمون تاريخيا القضية الفلسطينية رغم دعم ميلي المعلن لإسرائيل، أي أن “سياسة الرئيس غالبا ما تكون شخصية وليست تعبيرا عن سياسة الدولة”.

ويضيف دي سيلفا بعدا أمنيا لهذا التعقيد، إذ تتشابك في الحالة الأرجنتينية مخاوف من هجمات إرهابية سابقة معادية لليهود، لتجعل من موقف ميلي المؤيد لإسرائيل رأيا حزبيا لا إجماعا وطنيا.

وفي إسبانيا، يشير دي سيلفا إلى أن استطلاعات الرأي تُظهر تعاطفا متزايدا مع الفلسطينيين، لا سيما بعد الحرب على غزة، في حين يبقى الناخبون المحافظون أقرب إلى توثيق العلاقة مع إسرائيل؛ وهو ما يجعل الاستقطاب انعكاسا للسياسة الحزبية أكثر منه تحولا في وجدان المجتمع ككل.

وتكشف حالة كولومبيا نفسها هذا الانفصال بوضوح؛ فحتى بعد إعلان فوز اليميني دي لا إسبرييلا بفارق لم يتجاوز نسبة مئوية واحدة من الأصوات في انتخابات سجّلت أعلى نسبة مشاركة منذ عام 1958، ظل نصف الناخبين تقريبا متمسكين بمرشح استمر في وصف ما يجري في غزة بـ”الإبادة الجماعية”، وهو ما يؤكد أن التقارب الرسمي مع إسرائيل لم يحسم الموقف الشعبي بقدر ما حسم موقع السلطة التنفيذية فقط.

محللون: حرب غزة كانت محفزا للحكومات والشعوب لقطع العلاقات مع إسرائيل
محللون: حرب غزة كانت محفزا للحكومات والشعوب لقطع العلاقات مع إسرائيل (الجزيرة)

والخلاصة التي يتفق المحللون الثلاثة عليها أن القضية الفلسطينية لم تكن السبب الجذري لهذه التحولات، لكنها كانت المحفّز الذي ضاعف من سرعتها وحدتها في الاتجاهين معا، وإن اختلفت زاوية كل منهم في تفسير أثرها. ويفصّل دي سيلفا العوامل التي تضافرت لتغذية هذا التحول فيما يلي:

  1. حجم الضحايا المدنيين غير المسبوق.
  2. الظروف الإنسانية الكارثية في غزة، مع حرمان السكان من الاحتياجات الأساسية.
  3. إفلات إسرائيل من العقاب رغم اتهامات دولية بالإبادة الجماعية والتطهير العرقي.
  4. تغطية إعلامية عالمية واسعة رافقتها ضغوط متصاعدة من المجتمع المدني.
  5. مظاهرات حاشدة عمّت نحو 60 دولة حول العالم.
  6. إجراءات قانونية أمام محكمتي العدل والجنايات الدوليتين ضد إسرائيل وقادتها.

ومن ثم يتضح أن العلاقة مع إسرائيل باتت، في عدد متزايد من العواصم، أقرب إلى مرآة للاستقطاب السياسي الداخلي منها إلى ثابت من ثوابت السياسة الخارجية، وأن إسرائيل نفسها -سواء بتدخل مباشر أو باستثمار للظروف الاقتصادية والإعلامية ونفوذ جماعات الضغط لم تكن بالضرورة طرفا سلبيا في صناعة بعض هذه الانعطافات.

ومع ذلك، يبقى من الثابت وسط كل هذا التذبذب أن القضية الفلسطينية بعد أن تحولت إلى قضية رأي عام عالمي يصعب إسكاتها، وستظل حاضرة في الدورة الانتخابية المقبلة في أي من هذه الدول، منتظرة أن يُعاد فتح الملف من جديد.


Source link

عن عبد الله

المؤسس و الرئيس التنفيذي لموقع الجزائر 48

شاهد أيضاً

مستشهدا ببيكهام.. الملاكم تايسون فيوري يهاجم غرور نجوم الرياضة | رياضة

مستشهدا ببيكهام.. الملاكم تايسون فيوري يهاجم غرور نجوم الرياضة | رياضة

Published On 23/7/202623/7/2026 رفض الملاكم البريطاني تايسون فيوري النظر إلى نزاله المرتقب أمام البولندي ماريوش …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *