العمرة.. من رحلة غسل الذنوب إلى شوط المحارب

تحوّل، مؤخرا، أداء العمرة لقطاع كبير من الجزائريين، بعد انقطاع عن هذه الشعيرة لمدة قاربت السنتين، فرضته أزمة كورونا التي استوجبت الحجر على أغلب سكان المعمورة، وشلّت حركة تنقل الأشخاص محليا ودوليا، تحوّل من رحلة لزيارة الأماكن المقدسة، وتمتيع الناظرين ببيت الله الحرام، والصلاة داخل الروضة الشريفة، إلى مغامرة حقيقية محفوفة بكل المخاطر، يخوضها معتمرون أغلبهم من المرضى والمسنين، ممّن تبدأ محنة بعضهم من مطارات الإقلاع بسبب تأخر الرحلات، وحجزهم دون أكل وشرب لساعات طويلة، وبلا أدنى اعتذار، ليستمر غبن آخرين فور وصولهم إلى وجهتهم، نتيجة محدودية الخدمات، وعدم تطابقها مع العروض التي قدمتها لهم الوكالات أثناء دفعهم لمستحقات تُواصل ارتفاعها الجنوني.

Advertisement

بالرغم من أن التعميم غير منصف في حق 524 وكالة سياحية، تم اعتمادها من قبل مصالح الديوان الوطني للحج والعمرة من أجل تأطير المعتمرين الجزائريين الراغبين في أداء هذا النُسك خلال الموسم الجاري، إلا أن الأصداء التي تصل في شكل شكاوى وتنديدات كتابية وشفوية ومرئية تُوثقها وسائل التواصل الاجتماعي، توضح حجم المعاناة التي بات يتكبدها العديد من المعتمرين خلال رحلاتهم، ودرجة التقصير التي تُورط بعض أصحاب الوكالات المُجبرين بقوة القانون، ومضمون العقود التي تربطهم بزبائنهم، بتقديم أحسن الخدمات المتفق عليها. كيف لا، وقد وصل الحال إلى حد مفارقة إحدى المعتمرات الحياة قبل أيام، بعد أن قضت هي وزوجها وابنها القاصر، أسبوعا أسودا داخل مطار إسطنبول أثناء رحلة العودة إلى أرض الوطن، نتيجة التخلي عنهم من قبل مرشد الوكالة المكلف بتأطيرهم.

 

دموع عمّار تكشف الواقع المُر

Advertisement

 

القصة التراجيدية للطفل عمّار من ولاية تبسة، وبالتحديد من بلدية مرسط، التي أثارت تعاطف عامة الجزائريين مع هذا الأخير من جهة، وسخطهم الشديد على الوكالة التي سافر معها رفقة والديه من جهة أخرى، تؤشر إلى ضعف التأطير الذي تضمنه بعض الوكالات لمسافرين لا يملك جُلهم أي خبرة في السفر، فضلا عن تقدمهم في السن ومعاناتهم من أمراض متعددة. والدليل على ذلك؛ شهادة عمّار وهو يذرف دموعا حارة من شدة اللوعة على فراق أمه، التي ظلت مرمية لأيام داخل مطار مدينة إسطنبول التركية، ومن التحسّر على قلة حيلته، وهو يبحث في كل الاتجاهات عن الأكل والشرب لسد الرمق، بعد أن انقطعت به وبأسرته السبل، وتخلى عنهم المرشد المكلف بإيصالهم إلى أرض الوطن.

 

شركات النقل الجوية بشعار.. “والكل يتعذب”

 

Advertisement
Advertisement

صور المعاناة التي يواجهها المعتمرون وأشكالها في الآونة الأخيرة، أصبحت متعددة ومواصلة في الارتفاع، دون أن تحرك الجهات الوصية ساكنا، حيث يعج الفضاء الأزرق بمقاطع فيديوهات لمعتمرين يوجّهون نداءات استغاثة، يشجبون فيها الظروف التي يؤدون فيها عمرتهم داخل فنادق غير مطابقة، وتحويلهم إلى فنادق أخرى، فضلا عن محدودية النقل من خلال تسخير حافلة لكم هائل من المعتمرين، وبعد المسافة، والنوعية السيئة للوجبات الغذائية التي دفعوا لأجلها أموالا إضافية، طمعا في التفرغ للعبادة أثناء عُمر رحلتهم.

ولا تقتصر معاناة ضيوف الرحمان في تقصير بعض الوكالات وإهمال ممثليها، بل تتعداها إلى عوائق وعقبات تفرضها شركات النقل الجوية، في صورة إلغاء بعض الرحلات المبرمجة في آخر دقيقة، فضلا عن تأخر انطلاق بعض الرحلات لمدد زمنية طويلة، ما يحكم على المعتمرين ومرشديهم بالبقاء محتجزين داخل قاعات الركوب، ناهيك عن حالات أخرى تستوجب فتح تحقيقات معمقة لمعاقبة المتورطين المتسببين في “تعذيب” المعتمرين، مثلما حدث مؤخرا في أحد مطارات الإقلاع، عندما ظل ركاب إحدى الرحلات لمدة تقارب الساعة داخل حافلة مغلقة، تأهبا للركوب في الطائرة، دون فتح الأبواب لحد تسجيل إغماءات، والسبب مثلما راج في أوساط المسافرين، وتم نشره في صفحات الفيسبوك، هو نزاع تقني بطله ميكانيكي الطائرة الذي لم يوقع على التقرير التقني للإقلاع، الأمر الذي عارضه قائد الرحلة المتوجهة من الجزائر باتجاه جدة.

 

من يتحمّل مسؤولية الغبن الممارس على المعتمرين؟

 

Advertisement

واستطاعت “الخبر” أن تنقل شهادات حيّة للعديد من المعتمرين الذين واجهوا مشاكل متعددة الصور أثناء رحلتهم التي أمّنوا قيمتها بعد توفير دام سنوات طويلة، دون الحديث عن تضامن الأولاد بالمساهمة المالية لتحقيق حلم والديهم، حيث تفاجأ بعضهم بتغيير مسار الرحلة في آخر دقيقة، من خلال إخطارهم في المطار وهم بصدد توديع أقاربهم، بضرورة التوضؤ، وارتداء لباس الإحرام، لأن الرحلة متوجهة إلى جدة بدل المدينة المنورة مثلما تم إبلاغهم أثناء إبرام العقود وتسديد المستحقات، ما يضعهم رفقة مرافقيهم في حيرة شديدة، ويتسبب لهم في تعب وإرهاق كبيرين، لأنهم يُجبرون على أداء العمرة مباشرة، رغم تعب السفر، خاصة بالنسبة للمعتمرين المسافرين عبر الخطوط غير المباشرة وما أكثرهم، نتيجة تعليق شركة الخطوط السعودية لرحلاتها انطلاقا من مطارات الجزائر منذ أسابيع مضت، وذلك إلى غاية بداية السنة المقبلة.

 

فنادق.. قريبة على الورق بعيدة في أرض الواقع

 

وطبقا للشهادات المرصودة، فإن العديد من المعتمرين يصطدمون فور وصولهم ببعد مسافة الفنادق التي يقيمون فيها عن الحرم المكي، بالرغم من أن الوكالة أخطرتهم بأن الفندق يبعد بمسافة 800 أو 900 متر فقط، ليجدوا أنفسهم رهينة التنقل في حافلات مكدّسة بالمعتمرين، حتى يتسنى لهم الصلاة في المسجد الحرام، وهكذا يتكرر الوضع خمس مرات في اليوم وطيلة مدة بقائهم في مكة المكرمة، ناهيك عن المشاكل الأخرى التي حُرم بموجبها بعض المعتمرين من أداء الزيارات، وعلى رأسها زيارة الروضة الشريفة والصلاة فيها (الزيارة تستوجب حاليا إجراءات تقوم بها الوكالة لإدخال معتمريها بشكل جماعي عن طريق التسجيل المسبق)، فضلا عن تفاجئ البعض بعدم شحن ونقل دلاء مياه زمزم التي اشتروها في المطارات، من قبل شركات الطيران الأجنبية المؤمنة لرحلاتهم، بحجة كثرة الأمتعة، وهو ما يؤدي في غالب الأحيان إلى ضياع هذه المياه، التي ينتظرها أقارب المعتمرين بلهفة كبيرة، كيف لا و”ماء زمزم لما شُرب له”، مثلما أخبر المصطفى عليه الصلاة والسلام.

Advertisement
Advertisement

 

التأشيرة الافتراضية تهدّد عرش الديوان

 

وحسب المختصين، وفي مقدمتهم النقابة الوطنية لوكالات السياحة والأسفار، فإن أصل المشاكل التي يتعرض لها الكثير من المعتمرين في الآونة الأخيرة، مردّه إلى دخول العديد من المتطفلين لمجال تأطير المعتمرين من جهة (دون أي اعتماد نظامي)، وعدم قدرة الديوان على فرض أي وسيلة رقابية على هؤلاء، خاصة بعد ظهور التأشيرة الافتراضية.

وفي هذا السياق، أوضح السيد نذير بلحاج، رئيس نقابة الوكالات في تصريح أدلى به لـ “الخبر”، بأن “التأشيرة الافتراضية التي قررتها السلطات السعودية في الفترة الأخيرة تعمّمت بشكل كبير ومتسارع، ما سمح بظهور العديد من الدخلاء الذين لا يتورعون في تكوين مجموعات مستقلة، ونقلها بعد استصدار التأشيرة إلكترونيا، وتأجير الفنادق دون الحاجة إلى مساعدة أي وكالة، وهو ما يؤدي إلى تنظيم رحلات دون أي سلطة رقابية، لأن الديوان لا يملك أي قدرة أو سلطة قانونية لمراقبتهم بشكل نظامي مثلما كان سائدا في وقت سابق”.

Advertisement

وبالمقابل، أوضحت مصادر مطلعة بأن “جانبا لا يستهان به من الوكالات المعتمدة أصبحت تلجأ حاليا إلى استصدار هذه التأشيرة الافتراضية لزبائنها، للتنصل من دفع قيمة 2500 دج عن كل معتمر لصالح الديوان الوطني للحج والعمرة، ما يعني تخفيف قيمة الأعباء المالية الكبيرة الملقاة على عاتقها، مع تفادي أي مساءلة في حال حدوث أي تقصير أو إهمال، خاصة بالنسبة للوكالات الكبيرة التي تعرف نشاطا كبيرا في نقل آلاف المعتمرين كل موسم، علما أن النقابة في وقت سابق، اعترضت في أكثر من مرة على دفع هذه القيمة المالية لصالح الديوان نظير كل معتمر، مبررة اعتراضها بعدم وجود أي مقابل أو خدمة من قبل الديوان لهذه الاعتمادات المالية الهامة.

 

استغلال مفضوح ومغالاة في أسعار تذاكر السفر

 

وأوضح نذير بلحاج بأن هيئته قدمت مؤخرا اقتراحات عملية إلى كل الجهات الوصية، من أجل تجاوز هذه المشاكل والعوائق التي أصبحت تعرقل عمل الوكالات المحترفة، وتعذب بعض المعتمرين أثناء رحلاتهم، مضيفا بأن “قضية التأشيرة الافتراضية التي قررتها السلطات السعودية، لا يمكن الاعتراض عليها، أو المطالبة بتعليق العمل بها، لأن هذا الأمر سيادي لسلطات المملكة. لكن يمكن إيجاد حلول وضوابط بديلة لمنع الطفيليين من استغلال الوضع الجديد، على غرار مراسلة شركات الطيران، ومطالبتها بمنع التذاكر بصفة جماعية لمن لا يملكون اعتمادات رسمية تسمح لهم بتأطير المعتمرين”.

Advertisement
Advertisement

ومن المقرر، حسب المتحدث ذاته، “ظهور معطيات جديدة في المستقبل المنظور، من شأنها تنظيم العملية، وقطع الطريق أمام الطفيليين والوكالات غير المحترفة”، مشيرا في هذا الشأن إلى “دنو موعد بداية العمل بنظام المحفظة الذي يسمح للوكالات بنقل الأموال التي يدفعها المعتمر بالعملة الصعبة عن طريق البنك، مثلما هو موضح في دفتر الشروط، باعتبار أن العملية لا تزال غير مجسدة ميدانيا، بالنظر إلى العقبات الإدارية والقانونية التي واجهتها، التي هي بصدد الحل من خلال الاجتماعات والاتفاقيات التي تتم مع مصالح بنك الجزائر” .

وقد ساهم ضعف العرض، (عدد قليل من الرحلات المتاحة، لاسيما المباشرة منها)، مقابل استمرار ارتفاع الطلب، في تعقيد التكفل الأمثل بالمعتمرين، إلى أن وصل الأمر إلى حد استغلالهم، في ظل انتهاز بعض شركات النقل الجوية الأجنبية للوضع، ومغالاتها في أسعار التذاكر، ما أدى إلى ارتفاع موحش لقيمة العمرة التي ارتفعت بأكثر من عشرة ملايين سنتيم جملة واحدة، مقارنة بما كان مسجلا في جدول أسعار العمرة قبل أزمة كوفيد 19.

في حين لا تتورع بعض الوكالات في تقاضي مستحقات العمرة من بعض الزبائن، بعد الاتفاق على كل تفاصيل الرحلة، وبشكل خاص تواريخ الذهاب والإياب، ليتم في آخر المطاف إخطارهم بأن الأمر مستحيل في التواريخ المتفق عليها، ومن ثمّة تعيد لهم أموالهم بعد عدة أيام أو أسابيع من تقاضيها، ما يؤدي إلى ملاسنات ومشاحنات بين الطرفين، وينتهي بتقديم شكاوى ضد أصحاب هذه الوكالات بتهم التدليس وتقديم وعود كاذبة.

 




Source link

Advertisement
Advertisement

عن عبد الله

المؤسس و الرئيس التنفيذي لموقع الجزائر 48

لا تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *