الجزائر تسرّع وتيرة “تحلية المياه”..بديل استراتيجي لمواجهة العطش و الجفاف


تسعى الحكومة الجزائرية إلى الرفع من قدرة إنتاج المياه عن طريق التحلية إلى 3.3 مليون متر مكعب يوميا في 2024 وذلك ضمن تدابير استراتجية لمواجهة أزمة العطش و شبح الجفاف.

و في ظل شح الموارد المائية وتزايد الطلب على الماء، لجأت السلطات إلى طريقة تحلية مياه البحر من خلال إنشاء محطات على سواحلها لمعالجة مشكل التذبذبات في التزوّد بالماء الشروب. فكيف تطورت تقنيات تحلية مياه البحر في الجزائر؟ وهل أصبحت اليوم قادرة على تحقيق التوازن بين إنتاجها من المياه المحلاة وكلفتها الباهظة؟ وما مدى قدرة هذه الوسيلة على إنقاذ بعض المناطق من شبح العطش؟.

Advertisement

وتحصي الجزائر حاليا 14 محطة مستغلة على أن ترتفع إلى 19 محطة عند دخول المشاريع المبرمجة حيز الاستغلال ابتداءا من سنة 2024, لتتعزز حظيرة الشركة الجزائرية للطاقة مجددا بـ 6 محطات أخرى كبرنامج ثاني، مما سيقلص بشكل كبير نسبة الاعتماد على مياه السدود و المياه الجوفية.

خمس محطات جديدة

Advertisement

و أطلقت الحكومة مؤخرا أشغال إنجاز خمس محطات لتحلية مياه البحر في خمس ولايات لزيادة القدرة الانتاجية بـ 1.5 مليون متر مكعب من مياه الشرب يوميا .

و أبرز الرئيس تبون,على هامش إشرافه على مراسم وضع حجر الأساس لمشروع انجاز محطة لتحلية مياه البحر بالرأس الأبيض ببلدية عين الكرمة (دائرة بوتليليس)، أن “سياسة تحلية مياه البحر هي الأكثر ضمانا لتوفير الماء الشروب”.

وأشار رئيس الجمهورية أن مجمع سوناطراك اكتسب التقنيات والتكنولوجيا لإنجاز محطات تحلية مياه البحر.

وقال الرئيس في هذا الشأن “أننا أصبحنا قادرين على انجاز هذه المحطات بأيدينا” و أن “تضافر الجهود سيجعل الجزائر في منأى عن مشاكل التزويد بالماء الشروب”.

وبخصوص مشاريع إنجاز خمس محطات لتحلية البحر بطاقة 300.000 متر مكعب لكل واحدة بولايات مختلفة من ربوع الوطن التي ستسمح برفع الإنتاج إلى 3.3 مليون متر مكعب  في الجزائر، فقد أكد رئيس الجمهورية بأنه “انجاز مهم كفيل بضمان التزويد الماء الشروب، خاصة في المدن الكبرى ذات الكثافة السكانية الكبيرة”.

Advertisement
Advertisement

و ذكر رئيس الجمهورية بأن الجزائر تمتلك 74 سدا، 90 بالمائة منها شيدت بعد الاستقلال و هو أكبر عدد على المستوى المغاربي و الإفريقي، غير أن هذا العدد لم يعد كافيا بسبب الجفاف الذي تعرفه البلاد منذ أربع أو خمس سنوات.

درء العطش و إنعاش الفلاحة

واعتبر الخبير في الأمن المائي،ياسين بلوهاب،أن المحطات التي تشرف على إنجازها حاليا الشركة الجزائرية للطاقة تعد”عملية ضخمة و ذات أهمية استراتيجية للبلاد”، مؤكدا في حديثه مع “البلاد نت” أن “الاعتماد المتزايد على المياه المحلاة في عمليات التزوّد بالماء الشروب، سيساهم في تخصيص المياه السطحية والجوفية للفلاحة ما سيلبي احتياجات الفلاحين خاصة بالولايات الساحلية “

و أفاد أن “نقص وشح الأمطار بفعل التغيرات المناخية أثرّ بشكل كبير على تزويد السكان بالمياه الصالحة للشرب، وقد برزت آثارها جليا على مستوى أكثر من 20 ولاية”.

و تابع الخبير أن “تقنيات تحلية مياه البحر تطورت في السنوات الأخيرة بشكل كبير، وأصبحت العملية أسرع وأقل كلفة بالاعتماد على طريقتين تمكنان من إزالة الملح من الماء، الطريقة الأولى هي الأقدم على الإطلاق وتعتمد التقطير متعدد المراحل من خلال تبخير مياه البحر المالحة، وإعادة تكثيفها للحصول على المياه العذبة.

Advertisement

وتعتمد هذه التقنية على آلات ضخمة للقيام بالعملية، وتتطلب استعمال الطاقة بشكل كبير من أجل رفع حرارة المياه إلى درجة التبخر، وهذا ما يفسر استعمالها بكثرة في الدول المنتجة للنفط، رغم المجهود الذي بذل للتقليل من الكلفة الطاقية لهذه التقنية.

والطريقة الثانية تسمى “التناضح العكسي”، وتعتمد على تمرير الماء المالح بضغط محدد في أغشية ذات نفاذ نسبي تسمح فقط بمرور جزيئات الماء من خلالها، وتمنع تلك الأخرى بما فيها جزيئات الملح.”

و أضاف أنه “هكذا يتم الحصول على الماء العذب، وتحتفظ الأغشية بالجزيئات غير المرغوب فيها. وأصبحت هذه التقنية المستعملة منذ أواخر خمسينيات القرن الماضي هي الرائجة حاليا بفضل كلفتها المنخفضة، وتمثل نحو 65% من منشآت تحلية المياه حول العالم.

تحلية 60 بالمائة من الاحتياجات

من جهته اعتبر الأكاديمي ومدير مخبر تحسين الإنتاج الزراعي بجامعة سكيكدة عمار فوفو ،أنّ “الجزائر تشهد شحا في الأمطار منذ نحو 10 سنوات، ما أثر على المناخ والأنشطة الزراعية والفلاحية.”

Advertisement
Advertisement

وقال فوفو: ” إنّ هذا الشح أثر أيضا على انخفاض منسوب المياه الجوفية التي تعدّ مخزونا مهما بالنسبة إلى حياة السكان والاقتصاد الزراعي”.وعزى هذا القحط إلى “التغيرات المناخية، مثل انخفاض المساحات في المناطق القطبية الشمالية والجنوبية وذوبان الجليد بسبب ارتفاع درجات الحرارة، ما انعكس بشكل مباشر على المناخ في حوض المتوسط وفي جنوب خط الاستواء”.

و حسب وزارة الموارد المائية و الأمن المائي فإن ” الجزائر انتهجت استراتيجية إنجاز محطات لتحلية مياه البحر لتأمين إنتاج الموارد المائية و لضمان الاستقلالية من مياه السدود, مبرزة أن المحطات الخمس المذكورة ستسمح برفع قدرات البلاد في تجنيد الموارد المائية التي تمت تحليتها من البحر من 17 إلى 42 بالمائة.وأكدت أن هذه النسبة سترتفع بعد إنجاز ست محطات أخرى لتحلية المياه, كبرنامج إضافي ثاني يضاف لمشروع الخمس محطات من 42 إلى 60 بالمائة من المياه المجندة من مياه البحر المعالجة.

تخصصات للتحكم في التحلية

وسيتم إدراج مسارات تكوينية جديدة بالمؤسسات الجامعية في مجال تحلية مياه البحر، فضلا عن تقديم تكوين في ذات التخصص بمراكز التكوين المهني، تنفيذا لتعليمات رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، المتعلقة بهذا القطاع الحيوي، حسب ما أورده بيان لمصالح الوزير الأول.

وأوضح البيان أنه و خلال اجتماع الحكومة الذي ترأسه الوزير الأول أيمن بن عبد الرحمان، قدم وزير التعليم العالي والبحث العلمي عرضا حول التكوين والبحث العلمي في مجال تحلية مياه البحر.ويتعلق الأمر بـ”استحداث تخصص أكاديمي جديد يندرج في إطار تنفيذ تعليمات رئيس الجمهورية التي أسداها خلال اجتماع مجلس الوزراء المنعقد يوم 14 نوفمبر 2022، وهذا نظرا للتقدم المحرز في هذا القطاع الحيوي”.

Advertisement

وبهذا الخصوص، “اقترحت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي القيام، ابتداء من الدخول الجامعي المقبل، إدراج مسارات تكوينية جديدة على مستوى المؤسسات الجامعية، بغرض التحكم في العمليات التكنولوجية لتحلية مياه البحر والتوفر على مورد بشري مؤهل في هذا التخصص”.

ويكمن الهدف المتوخى –يوضح البيان– في “تكوين خريجين (الهندسة والليسانس والماستر)، بوسعهم التكفل بالمشاكل اليومية لتسيير محطات تحلية مياه البحر والاستجابة لاحتياجات قطاع إنتاج الماء الشروب، لاسيما من خلال تحلية مياه البحر والمياه المالحة”، حيث سيتم في هذا الصدد “إنشاء قطب امتياز خاص بهذا التكوين، يتشكل من أربعة مؤسسات تتمثل في كل من جامعة هواري بومدين للعلوم والتكنولوجيا بالجزائر والمدرسة الوطنية العليا للري بالبليدة والمدرسة الوطنية المتعددة التقنيات بوهران وجامعة ورقلة”.

أما في مجال التكوين المهني، فقد قدم وزير التكوين والتعليم المهنيين عرضا يتضمن إحداث فرع “تحلية مياه البحر” ضمن قائمة عروض التكوين.

تكلفة باهضة

بات الطلب على الماء في بعض الدول المعرضة لخطر الإجهاد المائي يفوق العرض الذي توفره الأنهار والبحيرات والسدود وجوف الأرض، ولم تعد الأمطار والثلوج قادرة على تعويض الاستغلال السنوي لهذه الموارد، وذلك بسبب الانفجار السكاني من جهة، والتغيرات المناخية وارتفاع درجة حرارة الكوكب من جهة أخرى.

Advertisement
Advertisement

ولم يترك هذا الوضع هامشا كبيرا للاختيار بالنسبة للمسؤولين، فإما الاستثمار في التحلية أو العطش، وهذا ما يفسر الإقبال على التقنية رغم كلفتها المرتفعة، و تشير تقديرات إلى أن تكلفة المحطة الواحدة تفوق 250 مليار دولار.

وتستفيد الجزائر من كونها دولة منتجة للنفط والغاز و الكهرباء لتوليد الطاقة اللازمة لتشغيل هذه المحطات، وهو ما ينعكس إيجابا على كلفة إنتاج المياه الصالحة للشرب، وهو ما لا تستطيع دول أخرى تحمله.لكن ظهور الطاقات المتجددة في السنوات الأخيرة شجع دولا غير نفطية على خوض هذه التجربة، إذ أصبح اللجوء إلى هذه الطاقات النظيفة لتشغيل محطات تحلية مياه البحر بديلا ناجعا، لأنه أقل كلفة وأخف ضررا على البيئة.

تحديات و تحذيرات

وأجرت الباحثة الجامعية بجامعة جيجل أمال ينون دراسة نظرية عن الآثار البيئية لمحطات تحلية مياه البحر من 2005 إلى 2015 بالتعاون مع الباحث الجامعي في الاقتصاد كمال بوعظم من جامعة سطيف، وخلصت إلى أنه لا توجد دراسات ميدانية حول الآثار السلبية التي تتسبب فيها هذه المحطات على البيئة.

وأضافت الباحثة أن كل الدراسات التي أجريت في العالم حول عمليات تحلية مياه البحر تؤكد نظريا أن هذه التقنية لها أضرار بيئية، غير أن هناك حلولا، لكن المطلوب اليوم هو إجراء دراسات ميدانية تكشف بدقة حجم ونوع الأضرار التي تلحقها هذه المحطات بالبيئة البحرية.

Advertisement

Source link

Advertisement

عن عبد الله

blank
المؤسس و الرئيس التنفيذي لموقع الجزائر 48

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *