تشهد الساحة السياسية الإسرائيلية عام 2026 تحولا جذريا غير مسبوق في طبيعة الصراع الداخلي؛ إذ لم يعد الخلاف مقتصرا على الهوية السياسية أو التوجهات الاقتصادية والاجتماعية، بل انتقل إلى تشكيك هيكلي في نزاهة “أقوى القواعد الإجرائية” التي قام عليها النظام، وهي صناديق الاقتراع.
ومع اقتراب موعد انتخابات الكنيست الـ 26 المقررة في أكتوبر/تشرين الأول 2026، تخلت الأوساط النخبوية والأكاديمية، والشعبية أيضا، عن يقينها التاريخي بنزاهة اللعبة الديمقراطية، ليتحول “الخوف من التزوير المقنن” والانقلاب على النتائج إلى الهاجس الأكبر المهدد بانهيار السلم الأهلي والمنظومة السياسية برمتها.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of list
ويرى قطاع واسع من الباحثين القانونيين أن الخطر الأكبر على انتخابات عام 2026 لا يكمن في التزوير التقليدي المتمثل في سرقة الصناديق، بل في “التلاعب التشريعي” الاستباقي بقواعد اللعبة.

ففي دراسة قانونية تحليلية مشتركة صدرت عن “المعهد الإسرائيلي للديمقراطية” وهو مركز أبحاث مستقل ذو نفوذ واسع في صياغة السياسات والقوانين، في مايو/أيار 2026، تحت عنوان “قيود على تغييرات قوانين الانتخابات قبيل الانتخابات”، حذر الباحثون موران كاندلشتاين-هينه، وغاي لوريا، وعساف شابيرا، وعساف هيمان، من خطورة التعديلات الفورية أحادية الجانب التي تدفع بها الحكومة.
وحذر باحثو المعهد من سعي الائتلاف الحاكم لسن قوانين سريعة تمس بتمويل الأحزاب المعارضة أو تفرض قيودا تقصي المنافسين الجدد، معتبرين أن هذه الخطوات تعكس رغبة في تطويع المنظومة التشريعية لخدمة البقاء السياسي، وهو ما ينسف المساواة والشرعية الدستورية.
وهذا التوجس من هندسة التشريعات أكده تقرير إستراتيجي شامل صدر في يناير/كانون الثاني 2026 عن معهد “زولات للمساواة وحقوق الإنسان” وهو مركز تفكير ليبرالي يركز على مكافحة التراجع الديمقراطي وسلطة القانون.
وخلص التقرير إلى أن إسرائيل انزلقت نحو نموذج يحافظ على الانتخابات كديكور خارجي مع إفراغها من مضامينها العادلة، مشيرا إلى أن التنافس السياسي لا يزال قائما، لكنه يتشكل من جديد ويتقلص، ويعتبر أيضا غير عادل وفقا للمقاييس المقبولة.
حصار الصوت العربي
من جهة أخرى يمثل الوجود السياسي لفلسطينيي الداخل (فلسطينيي 1948) الكتلة المرجحة التي يسعى اليمين الحاكم جاهدا لتحييدها، وبحسب تقرير المعهد الإسرائيلي للديمقراطية الصادر في 31 يناير/كانون الثاني 2026 فإن هناك خطة ممنهجة لقمع هذا الصوت عبر “نسخة جديدة من قانون الكاميرا (تشريع سعى حزب الليكود في عام 2019 لإقراره، والذي يمنح مراقبي الأحزاب السياسية الحق في إدخال كاميرات وتصوير الناخبين داخل مراكز الاقتراع)، مرورا بالإفراط أو عدم كفاية تطبيق القانون من قبل الشرطة في المجتمعات العربية يوم الانتخابات، وصولا إلى الاستبعاد العام للقوائم والمرشحين العرب من قبل اللجنة المركزية للانتخابات.

وقد انعكست هذه الهواجس النخبوية رقميا وبشكل صادم في استطلاعات الرأي العام؛ إذ كشف استطلاع أجرته جامعة “رايخمان” عبر معهد “الحرية والمسؤولية” الذي يديره الأكاديمي المتخصص عمر يائير، في يونيو/حزيران 2025 ونُشر في موقع “زمان إسرائيل” (22 يوليو/تموز 2025)، عن فجوة عرقية هائلة.
فحين يعتقد 66% من اليهود بنزاهة الانتخابات المقبلة، فإن “31% فقط من المشاركين العرب يعتقدون ذلك، في حين يعرب 46% منهم صراحة عن عدم موافقتهم على أن الانتخابات ستكون حرة ونزيهة”، مما يعكس قناعة الأقلية العربية بأن أدوات الدولة تُساق لإقصائهم وتهميش وزنهم الانتخابي.
خوارزميات التزييف الرقمي
ومع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي كعامل حاسم في توجيه الرأي العام في عام 2026، تضاعفت المخاوف من اختفاء مفهوم الحقيقة.
ففي خطاب لافت ألقاه رئيس المحكمة العليا، القاضي يتسحاق عميت، في 1 يونيو/حزيران 2026 بمؤتمر نقابة المحامين في إيلات ونشرته صحيفة “هآرتس”، حذر من أن التزييف لم يعد أداة بروباغندا عادية، بل سلاحا وجوديا يهدد النظام؛ مستشهدا بقول رئيس لجنة الانتخابات السابق عوزي فوغلمان: “قد يُقوّض محتوى التزييف العميق ثقة الجمهور في نزاهة الانتخابات من الأساس”، ومضيفا بأن هذا الخطر “لم يعد ضربا من الخيال العلمي في ظل إتاحة الذكاء الاصطناعي بضغطة زر”.

وفي مقابل تحذيرات معسكر الوسط واليسار من تزوير ائتلاف نتنياهو للنتائج، يبرز تيار يميني قوي يرى في هذه التحذيرات “بروباغندا استباقية” خطيرة.
وفي مقال تحليلي بارز بصحيفة “إسرائيل هيوم” 4 يونيو/حزيران 2026، هاجم المحلل اليميني المخضرم نداف شارغاي قادة احتجاجات “كابلان”، معتبرا أن “اللعبة السياسية تنزلق إلى منحى خطير عبر التشكيك في أن “الديكتاتور” نتنياهو إذا خسر لن يقبل النتيجة”.
ويرى شارغاي أن “هذا التلاعب العاطفي له هدف خفي وهو تمهيد الطريق لاحتمال معاكس، وهو أن يكون اليسار الراديكالي وأنصاره هم من سيرفضون قبول حكم الناخب إذا حقق نتنياهو معجزة انتخابية وفاز بالصناديق”.
الرعب الإحصائي
وقد بلغت هذه الأزمة ذروتها مع الكشف عن الاستطلاع الإستراتيجي للقناة 12 الإسرائيلية ونشرته دافنا ليئيل بتاريخ 4 يونيو/حزيران 2026؛ حيث كشف أن “57% من المشاركين في الاستطلاع بأنهم “خائفون تماما” من المساس بنزاهة الانتخابات المقبلة”، وانضم إليهم “26% أكدوا أنهم “قلقون للغاية””، مما يرفع إجمالي المذعورين والوجلين على مصير الصناديق إلى حاجز أغلبية كاسحة داخل المجتمع الإسرائيلي.
وما زاد الطين بلة وعمق من مخاوف التزوير والسيطرة السلطوية الحزبية على الهيئات الرقابية، هو محاولة الائتلاف الحاكم فرض المحامي الشخصي لنتنياهو في منصب رقابي حساس؛ إذ كشف استطلاع القناة 12 أن “45% من المستطلعين يعارضون بشدة تعيين مايكل رابيلو، محامي رئيس الوزراء نتنياهو، لمنصب مراقب الدولة”، باعتبار هذا التعيين “مسمارا أخيرا” في نعش الرقابة المستقلة على أجهزة الدولة والانتخابات، وتعميقا للفساد المستشري.
وتأكيدا على هذا الانهيار النفسي المروع والاتجاه العام نحو تصفية “المنظومة الديمقراطية”، جاء استطلاع هيئة البث الرسمية “كان 11” في 4 يونيو/حزيران 2026، ليعزز صدارة هذا الهاجس كعامل حاسم؛ حيث كشف الاستطلاع أن “60% من الإسرائيليين يخشون صراحة وبشكل قطعي المساس بنزاهة الانتخابات المقبلة”، في مقابل تفكك حاد لهيبة وهيكل النظام القضائي.

ويأتي هذا الذعر الشعبي العام في ظل تراجع مقاعد الليكود إلى “24 مقعدا” وعجز معسكر نتنياهو عن الحسم المستقر بـ “53 مقعدا للائتلاف مقابل 57 للمعارضة و10 للأحزاب العربية”، مما يعني بقاء إسرائيل في دوامة “الاستعصاء البرلماني الخانق” الذي يدفع أطراف الصراع للتمترس خلف خيارات أمنية وتشريعية عنيفة لحفظ بقائهم.
ولم يقف التحذير عند حدود الآليات، بل وصل إلى التنبؤ الصريح بالعنف السياسي ورفض الاعتراف بالصناديق، وجاء مؤشر المجتمع الإسرائيلي الصادر عن “معهد سياسات الشعب اليهودي” (JPPI) في 14 يناير/كانون الثاني 2026 ليعلن حالة الطوارئ المجتمعية؛ حيث أظهر الاستطلاع أن “38% من الإسرائيليين غير مقتنعين بأن الجمهور والأحزاب سيقبلون نتائج الانتخابات”.
وهذا الهاجس من الانهيار الأمني عبر عنه عسكريا اللواء (احتياط) ورئيس حزب “الديمقراطيين” يائير غولان، في خطاب في 29 يناير/كانون الثاني 2026 بموقع “إيمس”، متسقا مع تحذيرات الباحث عمر يائير (جامعة رايخمان) من تكرار نموذج الكابيتول الأمريكي.
وصرح غولان بأن نتنياهو وحكومته سيحاولون تخريب الانتخابات المقبلة و”التزوير والكذب وارتكاب الإرهاب”، مطلقا نداء لجمهوره للتحول إلى “جنود لحماية الديمقراطية”.

في المقابل، نقل نداف شارغاي عن كبير المعلقين السياسيين في صحيفة هآرتس، يوسي فيرتر، قوله إن إصرار أركان الائتلاف على رفض النتائج قد يدفع المعارضة لـ “حصار الكنيست ومبنى الحكومة بمئات الآلاف، وهو ما ينطوي على احتمال وقوع اشتباكات عنيفة، وإراقة دماء في الشوارع، وحرب أهلية”.
وهذا المناخ المحتقن يتزامن مع الهجمات العنيفة التي شنها وزير القضاء ياريف ليفين ورئيس لجنة الدستور سيمحا روتمان ضد خطابات رئيس المحكمة العليا والمستشارة القانونية للحكومة، غالي بهاراف ميارا، حيث اتهما المنظومة القضائية بالديكتاتورية وازدراء إرادة الشعب، مما يؤكد أن المنظومة السياسية الإسرائيلية برمتها باتت مجهزة قانونيا وميدانيا للانقلاب على الشرعية وعصيان أحكام القضاء، لتصبح إسرائيل أمام المحطة الأكثر خطورة في تاريخها التأسيسي.
في الخلاصة يعكس التشكيك المتبادل في نزاهة انتخابات 2026 بلوغ الاستقطاب الإسرائيلي مرحلة “التخوين المؤسسي البنيوي”، حيث غدت آليات الدولة الأمنية والتشريعية أدوات مشتبه بها لـ”التزوير المقنن” وإقصاء الآخر. ولم يعد الخوف مقتصرا على نتائج الصناديق، بل على انهيار العقد الاجتماعي والشرعية السياسية، مما يجعل “السيناريو الأمريكي” لاقتحام الكابيتول أو الانزلاق نحو العنف الداخلي خطرا داهما يهدد إسرائيل من مقتلها التأسيسي.
Source link
الجزائر Algerie 48 أول شبكة مراسلين جزائرية مستقلة